تاريخ آخر يُضاف إلى قائمة الأحداث السوداء التي تقع بالمغرب. يوم الخميس 28 من شهر أبريل 2011 في مراكش الحمراء، دوى انفجار مدمر أحد المقاهي «ARGANA» المعروفة بتنوع وافديها بساحة جامع الفنا، سمع على بعد سبع كيلومترات. هذا التاريخ يسجل إلى جانب أحداث 16 ماي بالدار البيضاء من العام 2003 وإلى جانب عدة انفجارات أولها ما وقع عام 1994 لكن أعنفها دموية ما شهدته فترة العهد الجديد 2000-2011. وفي ظل تضارب الآراء الدولية والمحلية وتزايد القلق لا يجد الإنسان نفسه إلا حائرا أمام تنامي هذه الأحداث وظهورها بشكل موسمي. ومما لا شك لعاقل فيه أن وحشية الفعل أكبر من أن نعذر الجهات المسؤولة عنه مهما كان السبب، لكن الأفدح وحشية هو ألا نطالب بكشف الحقائق عن كل الجوانب والملابسات التي تحوم بأي فعل لا إنساني. عندما قال رب العزة ولقد كرمنا بني ادم.. فإنه تعالى كرم بني الإنسان ولم يستفرد بطائفة أو ديانة أو بني جلدة أو ذي مكانة. الأمر الذي يجعل من الحق البشري في التعايش والتواؤم حقا مشروطا ومستلزما بتكريم الآخر والاعتراف بحقه في التقابل والاختلاف. بيد أنه، ونحن نلامس هبات التغيير في المغرب، لا نجد مسألة الاعتراف بالآخر جوهرا في آليات الاشتغال أو من بين أولويات البناء. الشيء الذي يحد ويعرقل عجلة الإصلاح الحقيقي والفعل التاريخي.

أثارت أحداث مراكش الأخيرة حفيظة الغيورين على مصلحة البلاد والعباد وأججت فيهم روح الانبعاث للتهيؤ للدخول الفعلي والجدي في مرحلة ما بعد 20 فبراير. فقد عرف المغرب مراحل وتواريخ ملأت باحات عقله وعكرت عليه صفاءه، ليجد نفسه في ما يمكن تسميته بـ”المواطن المرحلي”، فهذا الأخير خرج من فترة سنوات الرصاص ليجد بعد انقضاءها (كما يدعون) كمواطن يغرد خارج السرب… ثم يُدخل به مباشرة في عهد جديد (أي انتقال مرحلي آخر) حتى تخالجه تلك النفس بأن يغامر باكتشاف مرحلته الجديدة عسى أن تكون خيرا له. هكذا يستمر هذا “المرحلي” في تحيّن الفرصة للتأكد من صدق مسلكه في الوقت الذي يتم التآمر عليه بإعداد سيناريوهات جديدة. وإذا اقتربنا من المجهر أكثر نجد أن ما يحدث في المغرب يتم تقويمه (سياسيا واقتصاديا، وليس اجتماعيا، للأسف) على مدد متفاوتة لا تمتد لأكثر من 4 سنوات يتم من خلالها استقراء الأوضاع النفسية والتطورات الفكرية انطلاقا من المعايير الزمنية والمعطيات البيانية. فما حدث يوم 16 ماي 2003 كان تقييما جذريا إلى ما وصل إليه المغرب من تراكم بعض المتداخلات منذ تدشين عهد الإصلاح المزعوم بداية الألفية الثانية، وكذلك ما وقع في 2007 إلى هذه الأخيرة من 2011. ورغم غموض ماورائيات وكواليس الأحداث الشنيعة إلا انه تم الاهتمام والتركيز كليا على الدخول الحقيقي في مرحلة ما بعد الحدث بوسائل وميكانيزمات مُعدة سلفا قبل أن يقع ما وقع… وغض الطرف أكبر جُرم.

تم تمديد مدة البحث في أحداث البيضاء السوداء إلى أمد طويل، فالملف معقد ويحمل ثقلا دوليا، رغم أن فريق البحث فيه محلي… وبعد 8 سنوات من التقصي والتنقيب أفضت مصادر الداخلية الرسمية إلى اكتشاف وتفكيك ما يزيد عن 80 خلية إرهابية… !! في بلد عرف بتفشي نسب الأمية وغلبة الفقر على معظم العوائل بشكل كبير، ينتج في سابقة تاريخية له 10 خلايا إرهابية سنويا، أكثر من اكتشافه السنوي للعلماء وتكريمه للمثقفين والأدباء!!

في حوار أجرته صحيفة إلبايس الاسبانية مع العاهل المغربي عن أحداث البيضاء الدامية أكد في حديثه “التاريخي” أن الحادث يشوبه غموض وأن نتائج البحث لم تكن يقينية وتحوم حولها ملابسات يجب إعادة البحث في وقائعها. تلك الشائبات والغموض ذهب ضحيتها لحد الآن مئات المعتقلين قابعين في السجون المغربية التي يفوق عددها عدد الجامعات، كما شردت جراء تلك التماطلات أطفالا ونساء ستتحمل الدولة مسؤوليتها في حقهم. يبقى ملف الجُرم المبهم مستمرا وتبقى معه مغامرات المواطن في المرحلة الجديدة، ينتظر ويتساءل… يتساءل و ينتظر… إلى أن يمل. لكن النظام المخزني لا يمل، يبدع بأشكال وتبلـُّدات يفتح بها أفق التساؤل من جديد. لكنه انكشف كلما حاول أن يعيد صياغة الحدث وبنفس سياقاته المعهودة إلى الواجهة ليُظهر بعده مباشرة، كالذي سبقه، خطابا أو فعلا أو حتى مجلسا أو هيئة… ليُـقحم “المواطن المرحلي” في مرحلة أخرى ينتظر فيها ويتساءل… يتساءل وينتظر.

ذكر الروائي الانجليزي جورج أورويل في قولته الشهيرة أن قول الحقيقة في زمن الخداع، يغدو عملا ثوريا)، ولأن زمن المكر والادعاءات لاحت راياته في الأفق أضحى قصد الحقيقة تحررا ودربا من دروب التغيير، وكما سبق ذكره إننا منمطون بالمرحلية فقد اكتسبنا بكثرة المراحل التي مررنا بها قدرة التمييز بين الزمن المرحلي الحقيقي وبين ما أجبرنا عليه الترحال الوهمي. يتمثل هذا جليا في ما يعيشه الشعب المغربي من حراك أبان عنه من خلال “حركة 20 فبراير” أن العقلية المغربية نضجت كليا ولن ينخر بعد الآن جسمها المصوغات أو المحددات الفوقية. لتبرهن من خلال مسيراتها ووقفاتها أن خطابات ودساتير الأمس ما هي إلا عقبات وإلزامات كان الأجدر بمائدة الاختلاف أن تتدارس بنودها. لا يمكن الجزم بما ستؤول إليه الأيام المقبلة في ظل ما تشهده المنطقة العربية عموما آو ما يعيشه المغرب خصوصا بعد الذي عرفته المدينة الحمراء مراكش، في امتحان تاريخي “للفبراريين” لإثبات الذات الذي يحتاج إلى قراءة مشهده السياسي كليا دون عزل أي جزئيات أو أحداث عن بعضها، يروم بنا فكرنا إذا اشتغلنا بمعزل عن سياقاتها إلى تَشَظٍّ وانشطار، فتكون اللعبة المخزنية قد ربحت رهان البقاء وتضيع فرصة التغيير من بين أيدينا.