أثار مهرجان موازين منذ انطلاقه الكثير من التساؤلات، توقيتا إذ يُـبرمج في ذروة استعداد الطلبة والتلاميذ للاختبارات السنوية والنهائية، وكلفة حيث اعتبرت ميزانيته خيالية تقدر بالملاييـر، والحال أن المغرب يعاني من معضلات اجتماعية وعلى رأسها الشغل والصحة والفقر، ناهيك عن العزلة والهشاشة اللتين تعاني منهما مناطق واسعة قروية وجبلية، ومضمونا إذ تُنتقى وجوه فنية مشبوهة لا يسمح لبعضهم بالغناء في بلدانهم الأصلية لاستهتارهم بالقيم الخُلقية في حين يُرحب بهم في مغرب الإسلام.

ومع توالي الدورات يتنامى الرفض الشعبي للمهرجان، مثلما يزداد إصرار القائمين عليها، فيغدو المهرجان موضوع نقاش وجدل بين مؤيدين ورافضين، ويجتهد كل فريق ليبُزَّ خصمه بما يتسنى له من حجج يعتبرها دامغة. فالمؤيدون يُسوِّقون للمهرجان باعتباره واجهة ثقافية تُبَوِّئُ المغرب مكانة مرموقة بين الدول، وتزين صورته استقطابا للسياحة والاستثمارات، ناهيك عن دوره في تحقيق التوازن بين الثقافات تكريسا لقيم التعايش والاستقرار المجتمعي ونبذ الثقافة الأحادية مرجعا وهدفا. أما الرافضون أو المعارضون فيؤسسون موقفهم ـ علاوة على الكلفة المالية وتوقيت البرمجة ـ على كون المهرجان أداة لتكريس الميوعة والانحلال الخلقي وتهديد تماسك المجتمع بتقويض منظومة القيم الخلقية.

وموازاة مع الحراك الشعبي الذي تقوده حركة 20 فبراير مطالبة بإصلاح جذري للنظام السياسي ومحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين مثَّـل مهرجانُ موازين مادة دسمة جلتها شعارات المسيرات الاحتجاجية التي اعتبرته وجها من وجوه تبذير المال العام وعنوانا لسوء التدبير فطالبت بإلغائه. وتفاعلا مع حركة الرفض الشعبية لموازين انتقل النقاش للبرلمان وسارعت أحزاب وضمنها حزب الوزير الأول للمطالبة بتوقيف المهرجان. وأمام إصرار الفرق البرلمانية تبرأ وزير الثقافة من مسؤولية تنظيم المهرجان، بل عبر ـ فيما يشبه “الحُكرة” ـ عن عدم إطلاع وزارته أو مجرد استشارتها في الفنانين المدعوين لإحياء سهرات المهرجان. وفي نفس السياق أحجم مجلس مدينة الرباط عن تقديم الدعم المعهود منذ سنوات للمهرجان. غير أن ذلك كله لم يُثن القائمين على المهرجان ولم يثبط عزائمهم، فالمهرجان ثابت في موعده لن يزحزحه الناعقون، ومن لم يعجبه البحر فليشربْه كما يقول المثل المغربي.

ترى ما سر هذا الإصرار على الإبقاء على المهرجان؟ وما مصدر استماتة القائمين عليه؟ الجواب لا يخفى على أحد، فمدير المهرجان صديق الملك ومدير كتابته الخاصة، والمهرجان ينظم تحت الرعاية السامية للملك، وعليه يصبح المهرجان ركنا من أركان النظام للاعتبارين السابقين، والنزول عند رأي الشارع وإلغاء المهرجان يُفسر تنازلا من المخزن ومشجعا على مطالب أخرى أعظم وأكبر قيمة من المهرجان. فالتنازل يبدأ دائما بخطوة قد تكون صغيرة ليتوالى مسلسل التنازلات، لا سيما والظرف حساس يخوض فيه النظام معركة مصيرية واستحقاقا غير مسبوق لتثبيت دعائمه؛ وقد يكون إصراره على إبقاء المهرجان شكلا من أشكال جس نبض الشارع واختبار جديته فيما يرفع من شعارات تتسع مجالاتها ويرتفع سقف مطالبها مع توالي الأسابيع الاحتجاجية، رغم توفر مبررات معقولة لإلغائه من قبيل ما تعرفه بعض الدول العربية من أحداث دامية ليبيا مثلا، وما عرفته مراكش من تفجير أزهق عدداً لا يستهان به من الضحايا ومن جنسيات مختلفة، تقتضي قيم التآزر والمواساة لذويهم إعلان الحداد لأيام فكيف بإعلان الأفراح والغناء والرقص غداة استهدافهم في المغرب الأمين.

هكذا إذن يتعدى مهرجان موازين مستواه الإشعاعي والثقافي ليصبح مؤشرا دالا على تماسك النظام وصلابته لمواجهة ما يستقبله من استحقاقات، وبوابة تستشرف منها حركة 20 فبراير ما تطمح إليه من إنجازات سياسية تؤسس لمرحلة سيادة الشعب واستعادته زمام المبادرة.

مهرجان بطعم سياسي يراهن عليه المخزن ويتمسك به في أفق دَسْـتَـَرتِـهِ عمليا إن لم يتسنَّ إلحاقه بمناسبة التعديل الدستوري بما يُجَرَّمُ انتهاكه؛ تماما كما يُراهِن على إلغائه الحراكُ الشعبي لينال من خلاله من مجموعة من الفصول الدستورية مادام المهرجان رعايـةً وإدارة ً من المقدسات.

وإلى أن ينجلي غبار النزال بين الفريقين نردد الشعار الشعبي:

” موازين يَطْْلَعْ بَـرّا” = Mawazine dégage