8 ماي 1990 بِنَكْهتين

يوم مشهود ومحطة مُشرقة وفارقة في تاريخ جماعة العدل والإحسان، دشن فيه المخزن مسلسل القمع والتضييق على الجماعة. فبعد أن فرض الحصار -الإقامة الجبرية- على الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين زج بقيادة الجماعة في شخص أعضاء مجلس الإرشاد والأستاذ عبد الله الشيباني -الذي آثر اصطحابهم تضامنا ومؤازرةَ- في السجن بتهمة يعلم “رجال” المخزن -منهم من قضى نحبه ومنهم من لم يرْعـوِ عن غيه- أنها مفبركة، لكنها كافية لإدانة، ابتدائيا، أفاضل مجلس الإرشاد بسنتي سجن نافذتين، ليعرض “الأضناء” الأجلاء على استئنافية الرباط يوم 8 ماي 1990 لتأكيد الحكم الابتدائي، غير أن الجماعة لم تفوت الفرصة لتبعث للمخزن برسالة قوية من خلال حضور كثيف لأعضائها رجالا ونساءً شيبا وشبابا، هبوا عن بكرة أبيهم من كل ربوع المغرب ليؤازروا قيادتهم، فغصت بهم العاصمة، واكتظت بهم مخافر الشرطة وبهو المحكمة رافعين الأصوات بالتكبير والتهليل والحَسْبَلَةِ ومؤكدين للقيادة المعتقلة على صدق الوفاء، وعمق روابط الإخاء، والعهد على إتمام المشوار،.. ولم يفرج عن الإخوة المحتجزين إلا في ساعات متأخرة من الليل بعد إنجاز المحاضر والتحقيق في الهوية.) 1 .

8 ماي 1990 نفسه وفي مفارقة غريبة يعلن المخزن تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان من خلال خطابي تأسيسي للملك الراحل الحسن الثاني -رحمه الله- حدد مفهوم معتقل الرأي/ المعتقل السياسي واعتبر أن الذي لا يُقِر بالإسلام دينا والمالكية مذهبا والملكية نظاما والوحدة الترابية وطنا ليس معتقلا سياسيا. مجلس تأسس نتيجة لضغوط خارجية من المنظمات الحقوقية الدولية ووظف بالتالي لتزيين وجه المخزن الحقوقي خارجيا وتسويق صورة مغرب الحقوق والحريات، مغرب الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي دفعا لاتهامات الهيئات الحقوقية الدولية وجلبا للاستثمار الأجنبي.

دلالات

اليوم واحد بموقفين متناقضين، فالمخزن سعى من خلال مبادرته لتأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان للتمويه عن الرأي الوطني والدولي وتسويق صورة أن المغرب يرفُل في الرخاء حيث الحقوق مكفولة والحريات مُصانة، ردا على تقارير المنظمات الحقوقية الدولية المنددة بالخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان المغربي. مجلس استشاري لحقوق الإنسان جاءت قبله مجالس وتلته أخرى: هيئة إنصاف ومصالحة ومبادرات للتنمية البشرية ومجالس عليا وهيئة شفافية ونزاهة ومجلس اجتماعي واقتصادي ومجلس وطني لحقوق الإنسان وإعلان لتعديل الدستور مساق يتدحرج فيه المخزن من إخفاق لإخفاق تؤكده مؤشرات التقارير الدولية في شتى مجالات الشأن العام للبلاد في الحكامة كما في التنمية كما التعليم.

فإن الجماعة بذلك الموقف البطولي دشنت مرحلة جديدة لمواجهة القمع المخزني وكسرت حاجز الخوف الذي راهن عليه المخزن طويلا. لقد ظل القمع المخزني يلقي بظلاله على الشعب وعلى نخبه بالتخويف والترويع، وقد كانت قيادة الجماعة حريصة على تكسير هذا الخوف… إذ بدونه لا يمكن أن تتحرر الإرادات، ويتغير المجتمع نحو الحرية والكرامة.. وقد ظل الشارع المغربي حلبة محرمة إلا على الاستعراضات المخزنية، فـ8 ماي 1990 هي اقتحام إلى قلب هذا الحمى، وافتتاح لثقافة الاحتجاج السلمي في الساحة التي ستصبح محجّاً للأجيال المظلومة، من حقوقيين وسياسيين ومعطلين ومكفوفين…)، مثلما عبرت بالملموس أن الجماعة بلغت من التماسك وقوة البناء التنظيمي ما يجعل محاولات المخزن للنيل من ثباتها ومواقفها عبثية، بل تزيد الجماعة قوة وإشعاعا شعبيا يفسره تنامي عدد الوافدين واتساع دائرة المتعاطفين من فضلاء البلد وذوي المروءات فيه.

لقد انتزعت الجماعة بموقفها البطولي يوم 8 ماي 1990 حقها في التظاهر السلمي تعريفا بمظلوميتها وفضحا لشعارات المخزن المزيفة ودفاعا عن قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، من خلال مسيرات مليونية اهتزت لها أركان المخزن الذي يعي جيدا دور هذه المسيرات في صناعة وعي الشعب وتحرير إرادته لينزل يوما -وكل آتٍ قريب- إلى ساحات التحرير مطالبا بحقوقه ومُصرا على إسقاط الفساد والاستبداد.

8 ماي 2011

بعد واحد وعشرين سنة من تكريس نهج الاستفراد بالقرار وتمييع الممارسة السياسية تزويرا للانتخابات وتجريدا للمؤسسات المنتخبة برلمانا وحكومة ومجالس جماعية من السلطة الفعلية اللهم مباركة التعليمات والمبادرات، وصل المغرب إلى نهاية النفق، وانبثقت من رحم الشعب الذي طفح به الكيل حركة 20 فبراير تطالب بتصحيح المسار وإيقاف نزيف نهب الثروات رافعة الصوت: “الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد”. فاستخف بها الواهمون وسرعان ما التف حولها الشعب، وتسابقت فئاته المختلفة تساند وتدعم، وعبر المحطات المتتالية تزداد الأعداد المنددة بالفساد المُعلِنة بإفلاس سياسة تدبير شؤون العباد والبلاد كان آخرها -وليس أخيرها- محطة 8 ماي 2011 بطعم مزدوج هذه المرة، إذ نددت بعملية تفجير مقهى أركانة بمراكش وطالبت بكشف من خطط وليس من نفد فقط، وأكدت في ذات الوقت عن استمرار الاحتجاج السلمي تحقيقا لمطالب الشعب بالانعتاق من قيد الاستبداد وخلاصه من “مافيا” الفساد.

وبعد واحد وعشرين سنة أيضا من قمع الجماعة واستهدافها قيادة وأعضاء وجمعيات ومقرات وأرزاقا وسُمعة أعضاء اكتسبت الجماعة -بفضل الله تعالى- مناعة وقوة بتوالي الضربات المخزنية اليائسة: محاكمات ماراطونية صورية وأحكام قاسية وتشميع للبيوت والمقرات ومصادرة للممتلكات وتضييق على الأرزاق، فاستعصت على الاختراق، وأبت الترويض والانبطاح، وجمعت بين الأضداد: قوة هادئة في رفق، وثبات ورباطة جأش في غير عنف بناءً لمشروع العدل والإحسان تحت نَيْر الاستبداد.

حصـاد

ترى ما حصاد ما زرع المخزن وهو يسخر إمكانيات الدولة ومقدرات الشعب لينال من الجماعة منذ عقدين ونيف؟ “الجواب لا شيء إلا الخزي والعار داخليا وخارجيا، والجماعة والحمد لله تسير من حسن لأحسن” فمتى يدرك المخزن أن القمع ليس بالأسلوب الأمثل للتعامل مع جماعة العدل والإحسان وقد جربتموه فما أجزع، وأن المساومات وشراء الذمم لم ولن ينجح في التعاطي مع رجال الجماعة ونسائها وقد اختبرتموه فما أركع، إنما الذي يفلح هو الاستجابة للمطلب الوحيد للجماعة الذي ظلت تطالب به منذ سنين، وهو الحرية لهذا الشعب، فهل من مستجيب؟ هيهات.)


[1] الهوامش من مقال بعنوان: “8 ماي المجيدة: السياق والدلالات” للأستاذ عبد الصمد فتحي عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، نُشر بالموقع الالكتروني للجماعة بتاريخ: 11 ماي 2010.\