في الوقت الذي تم فيه تفجير مقهى أركانة في الأسابيع القليلة الماضية بمدينة مراكش أدركنا أن أيادي الفساد مازالت تعد العدة للعبث بمستقبل ومصير هذا البلد، تعد أشياء من نسج الخيال إلا أنها أشياء ممكنة التحقيق.. فقامت هذه المدينة الحمراء مرة أخرى وضمدت جروحها وجففت دموعها، فبدأ الحزن يسري بسرعة في نفوس الجميع لعجزنا عن إيقاف زحف جحيم الفساد نحو منتجعاتنا وتجمعاتنا، وإصراره على أن يفسد علينا حراكنا السياسي والاجتماعي الذي أطل صبحه علينا، وبدأت أفكارنا تأخذ منحا آخر، بدأت تختمر وتنضج كما ينضج الزرع مبشرا بالنفع العميم والزاهر، وبدأت أصابع الاتهام تبحث عن أي كان لتشير إليه وتحمله المسؤولية المعنوية للحادث، حتى ولو كانت الصحافة المستقلة، حتى ولو كانت جريدة المساء الذائعة الصيت في المغرب، ليبدأ مسلسل الدجل المخزني مرة أخرى لصناعة الحدث، ويقول كلمته التي لا راد لها، وينزل بسوطه الذي لا يخطأ.

ولم يمر على الحادث المراكشي الأليم إلا أياما معدودات حتى بدأ الإعداد لتفجير جريدة المساء المغربية على الطريقة المخزنية هذه المرة من خلال اعتقال والزج برموزها في غيابات الجب ونخص بالذكر هنا الصحافي رشيد نيني الذي اعتقل وقدم إلى المحاكمة على خلفية ادعاء النيابة العامة أن الجريدة نشرت أخبارا تمس بالأمن العام للدولة المغربية. ولقد أعدت لهذا المسلسل سيناريوهات عجيبة آخرها أن عائلات ضحايا أحداث مارس 2007 الإرهابية قامت بوضع شكاوى ضد رشيد نيني لدى النيابة العامة من أجل تحريك متابعة قضائية ضده، فربما والله أعلم أن النيابة العامة ارتأت في مناسبة “اليوم العالمي للصحافة” أن تحتفل مع الصحفيين على طريقتها الخاصة وتُحَمل هذا الصحافي المغلوب على أمره المسؤولية المعنوية عن تلك الأحداث كما كان الحال يوم أحداث 16 ماي 2003 عندما لوح المخزن بتحميل حزب العدالة والتنمية المسؤولية المعنوية بأسلوب طريف طبعا وفي إطار شكل من أشكال الضغط السياسي الذي يمارسه المخزن ضد الفضلاء من أبناء هذا الشعب العظيم.

لا نعتقد أن المخزن اليوم في المغرب يجيد التعامل مع الصحافة والصحافيين، فالمقاربة الأمنية هي الطاغية على هذه العلاقة، بحيث تستبعد المقاربة القانونية بالرغم من نجاعتها في التعامل مع أخطاء الجسم الصحفي التي قد نجدها أحيانا بحكم طبيعة مهنة المتاعب هذه، لاسيما وأن قانون الصحافة فيه من الفصول ما يحل الخلاف بين الطرفين. لكن قد يسأل سائل عن سبب لجوء المخزن اليوم لنزع فتيل الخلاف إلى القانون الجنائي وليس إلى قانون الصحافة ليبدو الأمر كما لو أن قانون الصحافة معمول فقط للاستئناس بحيث أن رشيد نيني سيتابع في المحكمة الجنائية وفقا للقانون الجنائي دون أي اعتبار لحقه في المتابعة في حالة سراح بالرغم من توفره على كل الضمانات القانونية، هذا إذا لم يلجأ المخزن، لا قدر الله، إلى قانون الإرهاب وتكييفه مع النازلة فيصنف رشيد نيني كأحد أمراء الظلام في المغرب، وهو الذي كان يسبر أغوار ظاهرة الإرهاب في العالم العربي ويحللها بأسلوبه العلمي الواقعي ليبين أن الظاهرة يتداخل فيها الموضوعي بالذاتي لكنها تبقى أسلوبا مقيتا مدانا ومرفوضا لدى كل المغاربة.

إننا في المغرب نطمح لتشييد دولة الحق والقانون كما أرادها الشعب المغربي وكما يحب أن يعيشها المغاربة، وما الحراك السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المغرب هذه الأيام والذي يرتعد منه المخزن، بل وطأطأ رأسه حتى تمر العاصفة، ليس إلا شكلا بسيطا من أشكال الصحوة السياسية الشبابية التي تنشد التغيير والضرب على يد الفساد والمفسدين، وبدأ المغاربة يعيشونها مرددين أنشودة الحرية كما رددها من قبلهم التونسيون والمصريون واليمنيون والسوريون..

فمند أن هرب بنعلي من تونس وتداع بنيان الفساد فيها، كان على المخزن في المغرب أن يعي جيدا ودون أن يخبط خبط عشواء ويفجر الصحافة المستقلة وأشياء أخرى، أن المغرب دخل مرحلة جديدة عنوانها أن الفساد يجب أن ينتهي نهاية طبيعية في كل مناحي الحياة في هذا البلد قبل أن ينتهي نهاية دموية كما هو الشأن في من سبقنا في تونس ومصر واليمن وليبيا..، وأن الحرية والإصلاحات السياسية والدستورية مطلب جماهيري لا غنى عنه إن كنا فعلا ننشد التغيير، ونحلم بمغرب العيش فيه كريم والقانون فيه مقدس، والكرامة الإنسانية فيه مصانة، والحقوق فيه محفوظة.. لكن يبدو أن المخزن المتباهي بسلطته وجبروته لديه رأي آخر لا علاقة له بما ينشده الشعب المغربي لتصبح الخريطة السياسية والاجتماعية في المغرب متباينة جدا، الشعب في وادي والسلطة في وادي آخر، وهنا مكمن الداء.

يقول الفيلسوف نيتشه الحية التي لا تغير جلدتها تهلك) فهل يستطيع المخزن أن يغير جلدته؟ وهذا أمر مستبعد، لكن عليه أن يعلم علم اليقين أن التغيير قادم لا محالة، وأن المسألة مسألة وقت لا غير. فهل بإمكانه أن يتصور له وجود فيه؟ أو يحجز تذكرته ليساهم في هذا التحول وهذا التغيير التاريخي الكبير أم سيكون معول هدم لجهود الشباب؟ حينذاك سوف يردد الشعب المغربي بكل أطيافه بنظام وانتظام لازمته في أنشودة الحرية، التي تحكي مآل معاول الهدم، فالجميع يعلم أن كلها تغشى مزبلة التاريخ.