تقديم

إن الذي ينظر فيما يجري الآن على الساحة العربية لا يسعه إلا أن يتساءل: ما الذي يجري؟ وما سببه؟ لما كل هذا الغضب الشعبي؟ وأين حال لمغرب من كل هذا؟ …

إن هذه الأسئلة رغم بساطتها؛ إلا أن البحث عن جواب لها يحيل على مسألة أساسية غاية في الأهمية تتجاوز الجانب المادي المحض لتتعلق بكينونة الإنسان والغاية من وجوده؛ إنها قضية الكرامة الإنسانية. إن الشعبين التونسي والمصري عندما نزلا إلى الشارع وأسقطا الدكتاتورين إنما فعلا ذلك ثأرا لكرامتهم التي داسها الاستبداد واستكبار المافيا الحاكمة في البلدين والذي اتسم بثلاث سمات كشفت عنها حقائق الأيام التالية؛ وهي لا شك سمات ملازمة للاستبداد أينما وجد. وهذه السمات هي:

– التحكم المطلق في الحياة السياسية عبر تدجين النخب السياسية المشاركة من جهة وقمع كل معارضة حقيقية للاستبداد من جهة ثانية.

– السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة على دواليب الاقتصاد الوطني وتسخير كافة المقدرات الوطنية لخدمة السياسات الاستعبادية واستضعاف الطبقات الشعبية.

– الضبط والتوجيه الصارم لعملية إنتاج الوعي الاجتماعي عن طريق التحكم في الإعلام ومصادرة حرية التعبير إلا في إطار ما يخدم النظام السياسي الإقطاعي الحاكم.

إن هذه الكرامة التي ثار من أجل استعادتها التونسيون والمصريون وتبعهم فيها غيرهم من الشعوب العربية في ليبيا واليمن والبحرين والمغرب هي أساس الوجود الإنساني. وإلى هذا المعنى يشير قول الله تعالى في سورة الإسراء حين قال عز من قائل: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطبيات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”. فالصفة الجوهرية الملازمة للحياة الإنسانية كما أراد لها ذلك خالقها هي الكرامة، وعليه فإن العاقل لا يسعه أن يتوقع ممن انتهكت آدميته وكرامته إلا أن يثور؛ هذا على مستوى الفرد فما بالك إذا أصبح ذلك على مستوى المجتمع في عمومه الأعظم.

إن الذي أريد أن أؤكد عليه في هذه المقدمة هو أن ما تعيشه البلدان العربية الآن هو النتيجة القدرية لسنين من سعي المستكبرين لامتهان كرامة الشعوب وهو ما تجلى بتعبير العصر في هذه الانتكاسة والإخفاق التنموي حيث أصبح الإنسان العربي بدون كرامة وفي حالة من الاغتراب الإنساني لم تترك له خيارا غير خيار الثورة. وقديما قال بعض السلف: “عجبت لم لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه”.

طالع أيضا  واقع التنمية الإنسانية بالمغرب: قراءة في المؤشرات الرئيسية 2/2

ومساهمة في تعرية الوضع وترسيخ الوعي الاجتماعي بعلاقات السيطرة ومظاهر الاستعباد التي أريد للإنسان المغربي أن يعيش في ظلها، فإنني في هذه السطور أقدم قراءة لواقع التنمية بالمغرب من خلال التقارير الوطنية والدولية؛ وقد انطلقت في ذلك من مسلمتين اثنتين:

1. تتعلق الأولى برؤيتي والتفسير الذي أقدمه لما يجري في الوطن العربي من أحداث؛ وتؤكد هذه المسلمة على أن السبب الذي دفع الشعوب نحو القيام في وجه الأنظمة الاستكبارية يرجع بالأساس للإمعان المستمر، خلال العقود الطويلة الماضية، لهذه الأنظمة في امتهان كرامة هذه الشعوب وهو الأمر الذي تجلى بوضوح في مؤشرات التنمية الإنسانية العربية.

2. أما المسلمة الثانية فتتجلى في إيماني الراسخ أن من شأن هذه التعرية أن تساهم في الحراك الاجتماعي القائم عبر ترسيخ الوعي به على المستوى الفكري وهو ما من شأنه أن يساهم في الحفاظ على توقد وهج “النضال” الجاري حاليا في الوعي المجتمعي للمغاربة.

وقبل الشروع في عرض وتحليل المؤشرات الأساسية المرتبطة بالوضع التنموي بالمغرب (المحور الثاني)، سأحاول في المقام الأول تقديم تصور موحد لمفهوم التنمية الإنسانية كما هو متعارف عليه عالميا (المحور الأول) وذلك من أجل ضمان حسن التواصل مع القارئ الكريم على أن أختم في النهاية بالتأكيد على حتمية التغيير وضرورته.

أولا: من التنمية الاقتصادية إلى مفهوم التنمية الإنسانية

التنمية في اللغة من نمى ينمي نميا ونميا (بتسكين الميم وكسرها) ونماء ونمية المالَ وغيره: زاد وكثر؛ ونمى (بتشديد الميم مفتوحة) تنمية الشيء: جعله ناميا؛ وأنمى إنماء الشيءَ: زاده فأنمى هو أي زاد. وعموما فإن مختلف استعمالات لفظ “التنمية” تحيل على معان متقاربة ومتداخلة فيما بينها هي: الزيادة والكِبَر والعلو والارتفاع والاتساع 1 .

أما على المستوى الاصطلاحي، فإن مفهوم التنمية وإن كان يشير كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين إلى معنى التأهب والقدرة لدى أمة من الأمم ودولة من الدول على تصنيع البيئة والتحكم في الطبيعة وتطويع الموارد لتلبية الحاجات الحضارية المعاشية والدفاعية) 2 إلا أنه مفهوم يحيل على التطور؛ وقد مر في تطوره بثلاث مراحل أساسية هي:

طالع أيضا  واقع التنمية الإنسانية بالمغرب: قراءة في المؤشرات الرئيسية 2/2

أ‌- التنمية الاقتصادية

يشير هذا المفهوم على أول تصور عالمي للتنمية، وهو يعبر على تلك الحاجة التي أريد للدول التي خرجت لتوها من الاستعمار أن تستبطنها، والتي تتمثل في الاندماج في الاقتصاد العالمي.

وقد تركز الاهتمام، ضمن هذا المنظور، على الرفع من الإنتاج وتشجيع استهلاك السلع والخدمات وذلك كله بغرض جعل الاقتصاد في تطور ونمو نَشِطَيْنِ ومستمرين عن طريق تحقيق نسبة نمو سنوية مقبولة من الناتج الداخلي الخام؛ وبذلك أعتبر معدل نمو الاقتصاد ومتوسط دخل الفرد من أهم مؤشرات التنمية. بل أكثر من ذلك اعتبر “الإيمان الوثيق بالنمو وفق معدلات ثابتة شرطا أساسيا يجب على المرء أن يؤمن به إذا أراد المشاركة في النقاشات الدائرة بين خبراء الاقتصاد” .

وهنا نشير إلى أنه بناء على هذا الإيمان اتخذ الإنسان قرارات وخيمة العواقب سياسيا وتكنولوجيا وبيئيا.

ب‌- التنمية الاجتماعية

أمام عجز التصور المعتمد في تحقيق الاندماج التام لاقتصاديات الدول النامية في الاقتصاد العالمي، تولد من رحم النقاشات السياسية بشكل رئيسي مفهوم جديد لم يستطع هو الآخر أن يتخلص من الحمولة الاستكبارية للمجتمع الرأسمالي والقوى المتحكمة فيه؛ وتبنته في حينه، للأسف، كثير من النخب الفكرية في العالم الثالث؛ وهذا المفهوم هو مفهوم التنمية الاجتماعية.

لقد تجسد هذا المفهوم بشكل رئيس في الالتزامات العشر المنبثقة عن مؤتمر القمة العالمي حول التنمية الاجتماعية في مارس من العام 1995 والتي حددت القضاء على الفقر وتعزيز العمالة الكاملة وتحقيق الاندماج الاجتماعي الكامل ركائز أساسية وأهدافا ذات أولوية للتنمية الاجتماعية.

إن مأخذنا الأساسي على هذا المفهوم يتجلى في كونه لا ينظر إلى الولوج للخدمات الأساسية إلا من حيث كونها ضرورية لتحقيق العمالة الكاملة كركيزة للسياسات الاقتصادية. ولذلك، فإنه رغم بعض النتائج المهمة التي حققها من خلال برامج دعم التعليم للجميع وتيسير ولوج خدمات الصحة، إلا أنه لم يستطع أن يستجيب لنزوعات ومتطلبات أساسية لإنسانية الإنسان وهو ما أدى إلى ظهور مفهوم أكثر تقدما وإنسانية للتنمية هو مفهوم التنمية الإنسانية.

طالع أيضا  واقع التنمية الإنسانية بالمغرب: قراءة في المؤشرات الرئيسية 2/2

ت‌- التنمية الإنسانية

يرجع الفضل في صياغة المعالم الأولى لهذا المفهوم إلى الاقتصادي الهندي “أمارتيا صن” وذلك في كتابه “التنمية حرية”. وقد تبنت الأمم المتحدة هذا المفهوم في سلسلة التقارير التي أصدرتها ابتداء من سنة 2003.

وإذا تجنبنا الدخول في متاهات النقاش الأكاديمي للمفهوم، فإن الذي يمكن أن نؤكد عليه، هو أن مفهوم التنمية الإنسانية ينبني على مبدأ أساسي مفاده أن الهدف الأساسي للتنمية هو إيجاد بيئة تمكن الناس من التمتع بحياة طويلة وصحية وخلاقة وعملية، وتوسيع نطاق خيارات جميع الناس في المجتمع في جميع ميادين سعيهم بتمكينهم من القدرات والفعاليات الأساسية وإتاحتهم الفرص لإعمالها 3 .

إن هذا المفهوم إذن يحيل على مفهوم أساسي هو مفهوم التمكين للإنسان على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهذا ما يبرز من خلال المؤشر المعتمد في تصنيف الدول والذي يركز على جوانب أساسية بمثابة حريات أساسية وهي:

1. الحريات السياسية أي القدرة على تحديد من ينبغي أن يحكم ووفق أية مبادئ والقدرة على مراقبة الحكام ومحاسبتهم.

2. التسهيلات الاقتصادية، أي القدرة على الحصول على الموارد الاقتصادية والاندماج السلس والفعال في الحياة الاقتصادية.

3. القدرات الاجتماعية ويقصد بها القدرة على الولوج للخدمات الاجتماعية الأساسية وهي التعليم والرعاية الصحية.

4. القدرات ذات العلاقة بالشفافية والولوج السلس إلى المعلومات خاصة تلك المتعلقة بتدبير الشأن العام.

5. القدرة على العيش الآمن، بمعنى وجود شبكات للأمن الاجتماعي قادرة على حماية حقوق ومصالح مختلف المجموعات في المجتمع.

إذا كان هذا هو المفهوم المعتمد للتنمية على المستوى العالمي، فما هي حقيقة الوضع في المغرب؟ ماذا تقول الأرقام في هذا الصدد؟ وأي تفسير يمكن أن نقدمه لهذا الوضع؟


[1] من كتاب لنا قيد الإعداد للطبع بعنوان: “المقاربة التشاركية في التنمية”، الفصل الأول.\
[2] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، ط:1، ص: 190.\
[3] تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، النسخة الالكترونية ص 18.\