مقدمـــة

إن هذه الانتفاضات التي عرفها العالم اليوم كما تصنع التغيير في الواقع، فإنها تصنع التغيير في الأفكار أيضا، وكما حركت حياة الشعوب التي كانت راكدة، حركت ثقافتها التي كانت جامدة. ففتحت بابا واسعا من الحرية أمام من كان بالأمس ممنوعا ليعبر عن رأيه سواء باللسان أو بالقلم. وأحرجت آخرين ممن كانوا بالأمس يتملقون من أجل فتات على مائدة اللئام فعادوا إلى الوراء ليدفنوا رؤوسهم في الرمال. هذه الانتفاضة كما تحتاج إلى نصرة فهي تحتاج إلى أن تبرهن عن جديتها في العمل وصدقيتها في الطلب.

صرخة الشعب وواجب النصرة

ما خرج الشعب إلى الشارع ليحتج ويصرخ ويتظاهر ويطالب بحقوقه إلا بعد أن بلغ فيه الظلم منتهاه، وديست كرامته بأقدام المستبدين، وقيّدت حريته بأغلال المستكبرين، وسلبت حقوقه بنهب المترفين. فهذا الشعب العظيم مظلوم ومقهور ومحروم وجب نصرته نصرة تفرضها مبادئ الشرع والسياسة والإنسانية. وما دام أنه قد بادر إلى الخروج واستمر في خروجه فقد اقتحم أكبر عقبة عانى منها عبر التاريخ وهي الخوف. فلم يعد يخاف من القمع ولا من التهديد ولا حتى من الموت بعد أن أدرك أن الذي كان يحكمه بالاستبداد إنما هي أصنام ينبغي أن تسقط. أصنام في صور بشر بعدما كانت قديما في صور حجر.

هنا مفترق الطرق بين الحقيقة والزيف، بين الظالم والمظلوم، بين الجلاد والضحية، بين المستكبر والمستضعف، بين المستبد والمقهور، هنا يكمن التحدي أن أتبنى الحقيقة أم الزيف، أن أدافع عن الظالم أم عن المظلوم، أن أحمي الجلاد أم الضحية، أن أنصر المستبد أم المستضعف.

شعوب خرجت تطالب بالحرية والكرامة والعدل لأنها هي التي عانت لعقود من مرارة الاستعباد والاستبداد والظلم والحرمان، لكن ما يبعث على الغرابة أن نجد ممن يحسب على العلماء من يصف خروجها السلمي بالفتنة، ويسكت عن الفتنة الحقيقية التي خربت البلاد والعباد جراء الحكم الجائر الذي مس مقاصد الشريعة في الصميم، فمن قتل النفوس وتعذيبها وإهانتها، إلى نهب المال وتبذيره وتكديسه، إلى هتك الأعراض وإفساد النسل، إلى تخدير العقول وتجهيلها، إلى تمييع الدين واحتكاره وتشويه صورته. فأي فتنة أعظم من هذه الفتنة. مع العلم أن أصل الفتنة عبر التاريخ فساد الحكام بتغييبهم للشورى، وفساد العلماء بسكوتهم عن الظلم والفساد، وعن أصل هذه الفتنة تفرعت جميع الفتن العينية التي تصيب الأفراد، والعامة التي تصيب الجماعات والأمم.

يقول الله عز وجل: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء، ثم لا تنصرون. وروى مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ستكون أمراء ستعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا”. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قوله “من عرف فقد برء” معناه: من عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فلينكره بقلبه، ثم قال: وقوله “ولكن من رضي وتابع”: أي ولكن العقوبة والإثم على من رضي وتابع. إن من المؤسف حقاً أن نشاهد بعض المسلمين يسير في المنكر لأن الكبراء ساروا به، أو قالوا به، وهذه والله انتكاسة خطيرة، وأن تكون معرفة المنكر من عدمه ليس ميزانها كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما لأن الكبراء قالوا بها، ألا ما أعظمها من فتنة تعرض على القلوب ومن فتنة تكون في المجتمع).

وما يبعث على الغرابة أيضا أن نجد من الأحزاب والنخب من يقلل من شأن هذه الانتفاضة ويتعالى عن الانخراط فيها مفضلا الوقوف في صف الاستبداد بدل الاصطفاف مع الشعب، وفي نفس الوقت نجده يتكلم ويتفاوض ويتحاور باسم الشعب، فهذا عمل سيء، والأسوأ منه أن نجد فيهم من يحدد للشعب سقف مطالبه في تعديل دستور ممنوح، ومشاركة بمقترحات في لجنة لا معنى لها، والاستجابة لإصلاحات مجرد وعود، فهم بهذا العمل يقفون في وجه إرادته، والأولى أن يتركوه، فهو من بدأ هذه الانتفاضة وهو الأحق برفع سقف مطالبه أو خفضها، فقد بدأت في تونس من طلب إنصاف البوعزيزي، وانتهت بهروب الطاغية بن علي.

وأما الغرابة الأشد فهؤلاء الحكام، لا ندري من أي طينة صُنعوا، ولا من أي كوكب جاءوا، ولم نفهم بعد كيف يفكرون، ولا كيف يتصرفون. حكام شعارهم: “إما أن أحكمكم فأستعبدكم أو أقتلكم فأستريح منكم”. فهل هذا غباء أم جنون أم طغيان…أم ماذا؟. شعوبهم رفضتهم ولفظتهم وتدعوهم للرحيل عنها، بل وصل بها الأمر لتدعو عليهم في الصلوات، وتشكو أمرهم إلى الله في القنوت والمناجاة، رغم كل هذا لم يبالوا، بل أعلنوا التحدي والتصدي من أجل أنفسهم ضد الملايين. أمر غريب يدع كل حليم حيران.

فمن أراد الرجولة، وأراد المروءة، وأراد الحرية الحقيقية، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، فلينزل إلى الميدان، إلى الساحة، إلى الشارع، فليلتحق بالمسيرة الشعبية فإنها والله فرصة تاريخية عظيمة. فإن هذا الشعب وغيره من الشعوب العربية والإسلامية التي غابت طويلا، بل غيّبت لأسباب الاستبداد، اليوم أراد الله تعالى أن يظهرها للعالم بأنها معدن نفيس ومثال للرجولة والصبر والجهاد والثبات، فإنها إن سكتت في الماضي، لكنها اليوم لم تعد قادرة على السكوت، ولا التراجع عن طلب حقها في الحرية مهما كان الثمن، بذل الأرواح وتقديم الشهداء. ذلك الجيل الفريد الذي استبعد بعض العلماء أن يتكرر عبر التاريخ فإننا نراه يتكرر اليوم ورب الكعبة في ليبيا الحرة ويمن الحكمة وغزة العزة وسوريا الأبية… جيل أصبح اشتياقه إلى الجنة هو من يدفعه لمواجهة الدبابات والرصاص.

الشعب يريد.. والمغرب الجديد يريد..

إن كان الشعب يريد الحرية ويريد الكرامة ويريد العدالة ويريد تغيير الدستور ويريد استقلال القضاء ويريد رحيل الاستبداد ويريد محاسبة المفسدين ويريد إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ويريد ويريد… فإن مستقبل المغرب الذي يريده أن يكون جديدا وسعيدا يريد منه هو أيضا أي من الشعب أن يكون في مستوى مطالبه المشروعة وفي مستوى الحدث التاريخي الذي ساقه إليه قدر الله، وأجراه على يديه.

إن كان الشعب قد برهن عن وعيه بمطالبه وهتف بها في الشارع أمام الرأي العام بطرق سلمية وحضارية شهد بها الجميع وهو بذلك قد كسب المعركة في جزئها المهم، وهي الشرعية والاعتراف بل وحتى التأييد والمساندة من قبل مختلف مكونات المجتمع وشرائحه، فإن مستقبل المغرب الجديد الذي يطمح إليه يريد منه أيضا خلال انتفاضته المباركة السلمية والمستمرة حتى تحقيق مطالبه وبعد تحقيقها أن يبرهن:

– عن أصالته التاريخية التي ينتمي إليها والتي تمتد جذورها إلى ما يزيد عن أربعة عشر قرنا من الزمان حيث البذرة الأولى للأمة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نشوؤها وترعرعها عبر التاريخ من خلال أجيال من الرجال المجددين والمصلحين حافظوا على جوهر الأصل، فهم النماذج الأخيار ليتخذوا قدوة لمن أراد اقتفاء الأثر واستئناف مسيرة التغيير.

– عن وحدته بأنه الشعب ولا غير سواه بكل فئاته وشرائحه ومكوناته، جسم موحد انصهر وذاب فيه كل ما من شأنه أن يفرق الصفوف أو يشتت الجهود، متسلحا في ذلك بسعته في الفكر لتنوع الأفكار والآراء، وسعته في الصدر لاختلاف الإيديولوجيات والتوجهات، فهو لا يتأثر طالما مطالبه واحدة هي مطالب الشعب. فيتعاون فيما اتفق فيه، ويعذر بعضه البعض فيما اختلف فيه.

– عن قيمه التي تعبر عن القمة في النضج الحضاري، والتعاون الجماعي. هذا النضج الذي يظهر في الرفق من غير عنف، وفي القوة من غير ضعف، وهذا التعاون الذي ينعكس في الواقع خدمة للقضية الوطنية، وتعبئة للشعب لينخرط كله في التغيير، وإخلاصا في العمل، وثباتا على الموقف. قيم وأخلاق رفيعة تتحطم على صخرتها كل محاولات المساومة والبلطجية والتشويه والمصالح الشخصية الضيقة . فليحرص كل من انخرط في مسيرة التغيير أن يكون له ذكر بالفعل لا بالقول، ذكر في الأرض وذكر في السماء.

خاتمـة

بخروج الشعب عن صمته لخوض انتفاضة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية يكون قد حسم في نظريات كانت محط جدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، فأسقط نظرية العنف في التغيير، ونظرية الإصلاح من الداخل، وأثبت نجاح نظرية المعارضة الشرعية في التغيير، فرفع شعارها عن جدارة، وجعلها في الصدارة. وهي التي كانت في الوقت القريب توصف بالانتظارية والعدمية ووجود داخل الثلاجة. وكما حسم في نظريات فقد أسقط أنظمة، وكما أسقط أنظمة أسقط مشجب الفزاعات الذي كان يعلق عليه تخويف العالم من “الإسلامي”.

ولا شك أن هذه الانتفاضات الشعبية بيقظتها قد أعطت لنا نماذج ناجحة من خلال أيام معدودة من حركتها في تونس ومصر، ولكن في دول أخرى مثل ليبيا واليمن وغيرها تأخرت النتائج، ولعل هذا التأخير وكثرة الدماء والشهداء قد يفقد الأمل ويفشل العمل، بل هي حكمة الله ليجتمع الشعب ويتوحد على الصبر والجهاد والدعاء والتضرع والأخوة والقضية والمصير.

هذا قدر الله يجريه على أيدي عباده فما علينا إلا التسليم لأمره. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.