نعم استبشر السود في الولايات المتحدة الأمريكية خيرا بقدوم رجل أسود اللون إلى بيت أبيض ظانين تغييرا في التوجه السياسي الأمريكي وإحرازا لحقوق طبقات استضعفت قرونا متطاولة وأزمنة غابرة، ولقيت ضيما وحيفا كبيرا شمل اندراسا للكرامة الإنسانية واستعبادا قويا لذوي الألوان المغايرة للبيض سواء كانوا سودا أو حمرا أو صفرا في دولة جامعة لعدد من الأعراق والأجناس والألوان.

وحق لهؤلاء المساكين لهم ذلك، فقد اتخذوا وجه الرجل معيارا مفضيا لاجتلاب تلك الحقوق المنسية، ناسين أن من يدخل إلى بيت أبيض قد ينسلخ من ذاته ولونه وتاريخه واختياراته وما وعد به جماهيره في حملاته الانتخابية، كالتلكؤ في إغلاق سجن أو إنهاء مشروع استعماري سابق أو غزو عبثي لبلد آمن….

والتأمل العميق في ملامح وقسمات أوباما 1 تدخل المدقق حتما إلى صفحات تاريخية يعسر محوها أو نسيانها، وهي حقائق متجذرة في الذاكرة الإنسانية وكاشفة مدى البشاعة الامبريالية للغزاة البيض لأوطان القارة السوداء الهادئة، فبدأوا بنهب الأرض واستعمارها واستنزاف خيراتها وقتل معارضيها واستقدام الإنسان الأسود عبدا مهانا مستعبدا مكبلا بأغلال القهر وأصفاد الاسترقاق إلى بلد غير بلده الأصلي ليكون خادما طيعا لهوى الأسياد البيض الذين أتوا به من هناك، حيث تم تصدير عشرين مليونا منهم نحو القارة الأمريكية. وبما أن متصيدي السود كانوا يحصلون على “عبد” من بين العشرة الذين يتم قتلهم خلال مقاومة اصطيادهم… ومن ثم فإن النخاسة كلفت أفريقيا ما بين مائة ومائتي مليون من القتلى) 2 وأمر السود واستعبادهم أرقاء عند أسيادهم البيض أمر هين إذا ما قورن باجتثاث لون آخر وهو اللون الأحمر الذي لحقت به أكبر إبادة بشرية في التاريخ. فهؤلاء الهنود الحمر أصلاء في الأرض الأمريكية ولم يكونوا دخلاء أبدا، ولكنهم أبيدوا عن آخرهم ليستوطن القادمون البيض الأرض ويستغلوها أبشع استغلال، حيث تمت إبادة ستين مليونا من بين ثمانين مليونا من الهنود من جراء الأشغال الشاقة والأوبئة الفتاكة أكثر مما جاءت عن طريق السلاح). ومن ثم فلا حرج عند مؤرخ ك(ألبخريت) أن يصرح بقوله: نحن الأمريكيين ليس لنا الحق الكامل في إصدار الحكم على اليهود ما دام أننا قضينا على آلاف الهنود حيث تواجدوا في بلادنا الشاسعة واستطعنا تجميع ما تبقى منهم في أكبر مراكز الاعتقال) 3 .

والمقام لا يسمح لكشف بشاعة إرهاب العقل الغربي على مدى قرون متطاولة لكن القرن العشرين وما شهده من أحداث أليمة على المستوى العالمي ينبئ بمدى شراسة الإنسان حين ينسلخ من القيم ويبقى صورة مادية خشبية تتحكم فيها النوازع الطينية بمعزل عن الروح وأشواقها…

فاستئساد النزعة الاستعمارية وتضارب المصالح المادية في الغرب ولدا تطاحنا مريرا لم تشهد له الإنسانية مثلا كنشوب حربين كونيتين كلفتا الإنسانية خسائر بشرية ومادية قل نظيرها، فالحرب العالمية الأولى لم تقم إلا في أوربا، ولم تنشأ إلا حين تطورت النزعة الغربية الاستعمارية وحين تقدمت الثورة الصناعية تطورا حادا جعل من تصريف البضائع والحصول على المواد الأولية وتوظيف رؤوس الأموال قضية من القضايا الأوروبية الملحة التي لم يجد رجال السياسة حلا لها إلا عن طريق امتلاك المستعمرات فكان لابد من التصادم والنزاع بين القوى المستعمرة ذاتها. وبلغت خسائر الدول في الحرب العالمية الأولى أكثر من 37 مليون جندي بينهم أكثر من ثمانية ملايين قتيل) 4 .

ولم يكتف العقل الغربي استحصاد الملايين من الأرواح جراء جشعه وبعده عن إنسانيته بل إنه جر العالم لحرب كونية أخرى لم تقم إلا في أوربا ثانية بأسباب واهية، وكانت هذه الحرب العالمية الثانية من الحروب الشموليّة، وأكثرها كُلفة في تاريخ البشريةً لاتساع بقعة الحرب وتعدّد مسارح المعارك والجبهات، شارك فيها أكثر من مائة مليون جندي، فكانت أطراف النزاع دولاً عديدة والخسائر في الأرواح بالغة، وقد أزهقت الحرب العالمية الثانية زهاء 70 مليون نفسٍ بشريةٍ بين عسكري ومدني..) 5 .

وفي هذه الحرب لم يتوان أصحاب البيت الأبيض من إمطار مدن يابانية بقنابل ذرية أبادت يابانيين أبرياء، فالقنابل الذرية الملقاة على هيروشيما وناغازاكي خلفت أزيد من مائتي ألف قتيل وحوالي مائة وخمسين ألف جريح في حالات متفاوتة الخطورة) 6 .

وانعدام الحس الأخلاقي طال البريطانيين كذلك، وانظر إلى (تشرشل) وهو يوصي رئيس أركان جيشه الجنرال (هاينغ إماي) بقوله في يوليوز 1944: أود أن تفكروا بجدية كبيرة في مسألة الغازات الخانقة هذه. فمن العبث أن نأخذ الأخلاق بعين الاعتبار في هذه المسألة طالما أن الجميع قد استخدم هذه الغازات إبان الحرب الفارطة، دون أن يثير ذلك احتجاج المعنيين بعلم الأخلاق أو حنق الكنيسة) 7 .

وما مجزرة (دريست) 13 فبراير 1945 التي أودت بحياة مائتي ألف قتيل مدني في ظرف سويعات جراء القنابل الفوسفورية الملتهبة دون سبب عسكري إلا صفحة واحدة من صفحات لعنة القادة الأنكلو أمريكيين على البشرية كلها.

وإنه لتناقض صارخ أن يتحدث أمثال هؤلاء عن الشرعية الدولية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب وهم الداء الوبيل الناخر علنا لمثل تلك القيم والمبادئ النبيلة. وكم أحَس قضاة بالخجل إزاء ما يجريه العقل المتوحش الغربي على أرضية الواقع. فقد تلقى مثلا القاضي (روبرت جاكسون) من الرئيس (ترومان) ليضطلع بمهمة رئاسة وفد القضاة الأمريكيين إلى محكمة نورمبرغ في ماي 1945، حتى علم بالمخططات الأمركية التي تهدف إلى القصف بالقنابل الذرية، ولهذا وجد نفسه في وضعية غير مريحة لمزاولة المهمة التي عهد إليه بها. فهل يتابع باسم أمة تلك الأفعال التي لم تتورع هي نفسها في ارتكابها…؟).

وقس هذه المحكمة على محكمة الحريري التي يراد منها تحقيق الأهداف التي لم تستطع إسرائيل تحقيقها على الأرض.

ولست أدري لم لا يهدأ بال هؤلاء الذين يمثلون سقوط الآدمية وانحطاط البشرية ويكفوا عن اقتراف الجرائم التي تودي بأمم وشعوب بأكملها، كالشعب العراقي مثلا الذي دمر وهجر وقسم إلى “دويلات طائفية” ومات فيه أكثر من مليوني عراقي بريء فضلا عن استنزاف خيراته وسرقة موارده جهارا من قبل سادة البيت الأبيض الذين تحملوا وزر أعمالهم كذلك، فقد بلغت الكلفة التخمينية لتدمير العراق ما يقارب 73 تريليون دولار، وبنفس الوقت عصفت بالولايات المتحدة كوارث إنسانية واقتصادية كبرى من جراء العدوان على العراق وأفغانستان، وأثبتت التقارير تراجع القدرة العسكرية الأمريكية وازدياد حجم الخسائر في القدرة البشرية للجيش الأمريكي) 8 .

إن التغيير الذي كان مؤمولا من الرجل الأسود أن يكبح جماح العقلية الغربية الاستعمارية المتجذرة في البيت الأبيض والمتحركة من قبل اللوبي الصهيوني أو “اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للقضايا العامة”. ويساهم في إنقاذ الإنسان من المهددات العالمية المحدقة به كالتغيرات المناخية والاحتباس الحراري والخطر النووي لاسيما إذا كان في يد من أثبت التاريخ إرهابه ووحشيته كالدول الغربية والكيان الصهيوني خاصة فضلا عن إرساء سلام عالمي بين الشعوب وتحقيق الرفاه العالمي وترك القيم التي نادى بها الأنبياء وصفوة البشر أن ترى النور في واقعهم… لكن أفعال أوباما على الأرض لاسيما تحيزه للكيان الصهيوني واستدعاء قوة هوليودية لاغتيال رجل وإلقائه في عرض البحر بدعوى رد الاعتبار للأمريكيين دون محاكمة علنية عادلة تضع الإرهاب على المحك وتواجهه بالأدلة والبرهان… رعونات خرقاء وسلوكات مخيبة للآمال وبعيدة عن القيم التي طالما نادى بها أمام ناخبيه، وكأنه نسخة مطابقة لأسلافه البيض وإن خالفهم في اللون فقط.


[1] لا تمييز عندنا بين الألوان والأعراق والأجناس لأنها سمات قدرية جبرية لايحق لأي كان أن يعتبرها معايير يقاس ىها الإنسان اتهاما، أو أن يتحمل جريرة أمر لادخل له فيه… وبه تم الإعلام. \
[2] الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية لروجي جارودي ص 144.\
[3] من العصور الحجرية ص 205.\
[4] موسوعة ويكيبيديا http://ar.wikipedia.org\
[5] المرجع ذاته.\
[6] حرب مجهولة لماري دولا غورص 335.\
[7] الإرث الأمريكي، عدد غشت 1985.\
[8] مجلة دار الخليج 13/07/2010.\