يقول المثل الشعبي المغربي لا تسرج حتى تلجم وعقد عقدة صحيحة، ولا تكلم حتى تخمم لا تعود عليك فضيحة)، ففي إحدى فصول مسرحية الجلسات البرلمانية، التي يتفنن فيها الممثلون البرلمانيون على الخشبة، في محاولة منهم ليبينوا لنا أنهم أيقاض، طرحوا على وزير الثقافة السؤال الجريء (في نظرهم طبعا): لماذا ستقام موازين هذه السنة؟ هذا غير ممكن فجيراننا من البلدان العربية يقتلون ونحن نرقص؟ نحن لسنا ضد الرقص والغناء، نحن شعب راقص ولكن هذه السنة لا يمكن، من فضلك يا سيادة الوزير أجِل الأمر إلى السنة القادمة مراعاة للمشاعر ولأن الشباب عبر عن حاجته للشغل وليس للغناء، فمن العيب أن يقام مهرجان كهذا في هذه الظروف.

بعد تكرار السؤال من طرف عدد من النواب، وكُلٌ فصّل وشرح الأسباب، يجيبهم وزيرهم “وزير الثقافة” أنه آسف، لأن الأمر ليس بيده بدعوى أن “موازين” ليست تابعة للدولة إنما لمختصين خواص، اشتد البرلمانيون إلحاحا، كرروا السؤال؟ كيف؟ ولماذا؟ وهذا لا يجوز!

فأجابهم الوزير بأن الأمر ليس بيده، بل إن وزارته ليست قادرة أصلا على تمويل مثل هاته المحطات لما تتطلبه من أموال، ووزارة الثقافة “فقيرة” (على حد قوله)، وضحك وضحكوا جميعا.. فعلا أمر مخجل، أن تدار الأمور في البلاد بهذا العبث، مهرجانات تقام في كل ربوع البلاد من طنجة إلى لكويرة، ليست تابعة لوزارة الثقافة!! ما هذا؟ أمر عجاب، من المسؤول إذن؟ هل يجوز لكل ذي مال أن ينظم محافلا عالمية ليرتع ويرقص ويعيث في الأرض بدون أي علم أو تدخل من الدولة؟

لكن ألم يقل سلفا المستشار المكلف بتنسيق المهرجانات بوزارة الثقافة “عيسى ايكن” إن الوزارة أعدت خريطة جغرافية للمهرجانات طبقا للخصائص الفنية لكل جهة..) أو لم تقل الوزيرة السابقة سنقدم دعمنا المالي… ومساهمتنا في جميع المهرجانات الثقافية ستقتصر أيضا على التنظيم القانوني والتنسيق والتقييم). ما هو أكيد فعلا هو أن الوزير، لم يكذب ولم يناور، لأن الكل يعلم أن الأمر فعلا، لا يتعلق بالمسكين، بل بأياد خفية تشير على أولي الأمر وتملي عليهم ما يجب فعله، بل وتفعل بكل تحد كما يقول المثل: On fait et après on voit.

مستهترة بمشاعر الناس، مستفزة لكل المغاربة الذين قالوا وبوضوح “لا للخلاعة، لا لموازين، لا لهدر الأموال”، إن السياسة لا تتعلق في بلدنا بالبرلمان والحكومة، بل إن الأمر أبعد من ذلك بكثير، الوزير لا حول له ولا سلطة ولا قوة.

ما هذا التحدي؟! معركة النضال في المغرب، هي أكبر بكثير. مما شهدته المعارك في الدول العربية الأخرى. فلا أحد من أولئك الرؤساء المخلوعين، جرؤوا على استفزاز الجمهور الثائر بمثل هذه الأفعال، لا أحد قط. بينما هنا في المغرب، يظهر أن الأمر لا يزال غير واضح للدولة، ما زال هذا الجهاز لم يفهم رسالة الشعب، لم يفهم بأن التغيير آت، وبأنهم يجب أن يستفيقوا من سباتهم العميق أو بالأحرى من صدمتهم ويتقبلوا الواقع. خاصة أولئك الذين هم في الكواليس، الأيادي المحركة، التي تلعب “بالأراجيز”. ونقول لبرلمانيينا الذين ليس لديهم مشكل أصلا مع مثل هذه المهرجانات – الذين جاء طلبهم لإلغائه، فقط مراعاة للظرفية التي تعيشها البلاد – هؤلاء أيضا لم يستوعبوا، أن المحرك وراء هاته الهبة في كل الأقطار العربية، ليس فقط لأسباب اجتماعية كالحاجة للخبز والعمل. بل إن الحافز القوي والدافع لهذه القومة، ضد الظالمين، هو لاسترجاع الهوية العربية الإسلامية، بكل ما تحمله هذه المصطلحات من حمولة أخلاقية، أصيلة، عالية القيم. لذا فالمرجو منكم أن تفهموا، يا حضرات المسؤولين: أن عهد هذه المهرجانات الفاسدة، المفسدة، قد انتهى وولى فاعتبروا يا أولي الألباب.