هل ما يحدث في الأمة العربية ومعها المغرب حدث عابر؟ أم زلزال تاريخي سيؤدي لامحالة إلى منعطف تاريخي جديد.

إن من ينظر بعين متفحصة، تستمد أدواتها من التحليل التاريخي والأنتروبولوجي والسوسيوسياسي، يرى أن هذه الهبة الشعبية لها ما لها في مستقبل الأيام وحاضر الأمة لماذا؟ لأنها تشترك في المنطلقات وتتوحد في الهدف: موجة شعبية عارمة سلمية من أجل إسقاط الاستبداد والتخلص من دين الانقياد.

دين الانقياد ذلك المفهوم الخلدوني الذي شرح به تبعية الشعوب لقائدها رغما عنها، حتى يصبح أب الجميع، سبوح قدوس لا حول ولا قوة إلا به، الانقياد الأعمى، والتبرير الأصم، والتعلق الأبكم، بحماة العقيدة وحراس البلاد.

لكن نم مطمئنا حكيمنا، فها هو شباب القرن 21 يدشن مرحلة جديدة ،ستصحح العقيدة وترسم ملحمة تاريخية قوامها الحرية والعدل والكرامة، وعربونها التضحية والتدافع بكل الوسائل السلمية من أجل رحيل الظلم والظالمين وكسر دين الانقياد، الذي عشش في القلوب وخرب النفوس والعقول وأهلك الزرع والضرع.

غير أن التحرر من الانقياد في المغرب، يتطلب فهم البنية المغلقة التي أنسجت بإحكام من طرف مخزن راكم وسائل القهر والعنف أكثر من أربعة قرون، هذه البنية تستوجب فك طلاسمها و سبر أغوارها كي يكون التغيير على بينة، وتشييد صرح حلم التحرر، على أسس متينة.

1- ابن خلدون ودين الانقياد

تحدث حكيم الأمة العلامة ابن خلدون عن العلاقة السيكولوجية التي تربط بين الرعية والراعي المستولي بالقوة والقهر، ووصفها بأنها تتحول عبر تراكم تاريخي إلى ولاء يصل حد التدين، أطلق عليه إسم “دين الانقياد” وهو اعتقاد شعوري تفرضه الأنظمة السياسية التي تغيب الشعب وتجعل منه رعية تابع للراعي بقوة السيف والعنف وبمكر التفرقة والاحتواء والإغراء.

وقد جعل لدين الانقياد ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تحكم الدولة بالقوة والبطش نظرا لأن النفوس تأبى الانقياد للاستبداد، فتحدث مقاومة تلقائية شرسة للدولة في بدايتها، وحين تتمكن عصبية الدولة من فرط سلطانها يدب في النفوس استسلام لقوة المستولي بالسيف، فيبدأ دين الانقياد في التشكل، يشرح ذلك ابن خلدون في مقدمته بقوله: إن الدولة العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب للغرابة، وإن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه. فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد آخر في أعقاب كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية، واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرياسة، ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم، وقاتل الناس معهم قتالهم على العقائد الإيمانية، فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة).

وهذه المقاومة التلقائية للاستبداد، فطرة جبل عليها بني آدم، لأن الإنسان يولد حرا كريما والعلاقات التي يفرضها المجتمع هي التي تحوله إلى عبد أو إمعة، وهذا ما يجعل التاريخ الإنساني كله صراع بين الفطرة الإنسانية المجبولة على الحرية والعدل والكرامة، وبين قوى الشر والفرعونية التي تريد تركيع الإنسان وتعبيده.

المرحلة الثانية: يصل فيها دين الانقياد إلى قمته ويسلس جزء عريض من الشعب القياد لراعيه كيفما كانت أوصافه وتصرفاته، حتى ولو رأى بأم عينيه حقائق ظلمه وتلمس بيديه استبداده وانفراده بالمجد.

فيدخل الشعب في طاعة عمياء للدولة ويؤمن أن طاعتها كتاب الله لا يبدل ولا يعلم خلافه).

وفي فترة شيخوخة الدولة وهرمها وبوار عصبيتها، تسود سلطة الدولة بما عهدته النفوس من دين الانقياد يقول العلامة الحكيم وربما طال أمدها بعد ذلك فتستغني عن العصبية بما حصل لها من الصبغة في نفوس أهل إيالتها، وهي صبغة الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوليتها. فلا يعقلون إلا التسليم لصاحب الدولة.)

2- دين الانقياد وسنة التدافع

من السنن الكونية أن هذا الاعتقاد الانقيادي، تظل طائفة من الشعب ممانعة ومدافعة له، قد تظهر على شكل تجمعات مذهبية أو تيارات إيديولوجية أو على شكل آراء لعلماء ومفكرين لهم صيت وازن في ضمير المجتمع، فيكون نصيبهم القمع والسجن وفي حالة قصوى الاعدام…

ومن حيث يظن السلطان أنه بهذه الأفعال يبسط سيطرته ويحكم قبضته، فإن الحصار وتكميم الأفواه والعنف، يؤدي إلى نقد ذاتي من طرف العقل الجمعي للمجتمع، يبدأ في المنتديات العامة والخاصة، ثم ما فتئ يتحول إلى غضب شعبي وموجة عارمة، لا يمكن إيقافها إلا بتغيير حقيقي، حتى ولو استعملت زبانية السلطة أقوى ما لديها من أجهزة وأساليب القمع، والحقيقة ماثلة أمامنا في هذه المرحلة التاريخية التي تمر منها الأمة العربية، فانتفاضة سيدي بوزيد لم تكن تطالب برأس بنعلي، وإنما كانت تريد خبزا وعيشا كريما، لكن إطلاق أول رصاصة ضد المحتجين، كانت وحدها كافية لانفجار الأوضاع واندماج الشعب التونسي بكامله في ثورة راديكالية المطالب، تريد تغييرا جذريا عنوانه “الشعب يريد إسقاط النظام”، وهكذا تحول كلام المنتديات والنقد الذاتي للمجتمع إلى حقيقة ثورية، جعلت الرئيس التونسي يعترف بمطالب الشعب، معبرا عن ذلك بكلمة تاريخية “أنا فهمتكم” قالها في الوقت الذي كانت طائرته تنتظر إنهاءه لخطابه ليفر إلى السعودية.

ما جرى في تونس هو نفسه ما جرى في مصر، مع اختلاف في الأساليب والحراك الشعبي، فسقف المطالب فرضه حسني مبارك، حينما أعطى أوامره للجهاز البوليسي القمعي بالتدخل دون هوادة، وكي ينوع الأساليب مول بلطجية منحرفين ومسجونين لضرب الثوار وترهيبهم، فهل تراجع الثوار؟ لا بل حمي الوطيس في ميدان التحرير وعلى صوت “ارحل” بجميع اللغات حتى باللغة الهيروغليفة الفرعونية.

في تونس كما في مصر كما في جميع الدول، التي عرفت وتعرف حراكا شعبيا لتغيير النظام، هناك دروس سوسيو سياسية، أبرزها أن حمل لافتة التغيير لا ينهض بها الشعب كله، بل تتصدى لها طليعة شابة، تبدأ بالمئات وتنتهي بالملايين، ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر ثورة مصر، فحينما دعا شباب الفايسبوك إلى الخروج يوم 25 يناير 2011 قدر العدد بالمئات، لكن سرعان ما تحول العدد إلى ملايين بلغ في أقصى التقديرات ثمانية ملايين، عدد مهم، وإذا ما قارناه بعدد السكان، فإنه لا يصل إلى عشر ساكنة مصر التي تتجاوز 80 مليونا، لكن حينما ظهر هامان مصر عمر سليمان، وهو يزف بوجه عبوس تنحي مبارك، خرج الشعب جله إلى الساحات والشوارع فرحا بنشوة النصر، شاكرا رجال الثورة وشبابها ،مترحما على شهدائها الذين صنعوا بدمائهم حلما ما كان في الحسبان، بل أكثر من ذلك حتى الفنانين وبعض الواعظين والوصوليين الذين كانوا في صف مبارك، غيروا جلدهم وبدأوا يصححوا كلامهم ،ويفسرون أسباب امتناعهم عن الانخراط في الثورة لكن هيهات هيهات…

وكم هي فرحة المصري يوم السبت 19 مارس 2011 وهو يتوجه إلى صناديق الاقتراع، ليصوت على الدستور الجديد بنعم أو لا، دون رقيب أو حسيب، منتصب القامة منسجما مع عقله وقلبه وكأن الثورة قد أوقفت ظهر المصري بعدما كان ردحا من الزمان مقوسا مغلوبا على أمره… ثم يرى بأم عينيه التي “يا ما” دمعت من شدة الظلم، مبارك وزبانيته يقدمون إلى المحكمة في مشهد لا يمكن إلا أن يجعلنا نقف وقفة إكبار وإجلال للشعب المصري العظيم الذي حق لنا أن ننعته الآن بأم الدنيا.

إن رياح التغيير قد بدأت تقتلع الأشجار الفاسدة، بأيدي الشعوب الطرية النقية، فهاهي اليمن تتحرك والبحرين وليبيا والمغرب… إنها رياح الاستقلال الحقيقي، الذي سيجعل للشعب الكلمة الفيصل لا لشرذمة من الخانعين المتنفذين، وسيدشن لوحدة عربية حلم بها أجدادنا المقاومين وأقطاب الحركات الوطنية أثناء مدافعتهم للاستعمار.

3- هل المغرب استثناء؟

اصطلح على تسمية النظام المغربي بكلمة جامعة مانعة “المخزن”، ولعل أحسن التعاريف للمخزن التي وقفت عندها، تعريف للباحثة هند عروب، ذكرته في حوار مطول مع الموقع الالكتروني هسبريس، حيث تقول عنه: هو مكان لتخزين الجبايات تحول إلى نظام للحكم قائم على استغلال الدين لتبرير شرعيته، وعلى العنف والتفقير والتجهيل والتركيع، والاستحواذ على الثروات وعلى الفساد والرشوة وتشجيع الانتهازية، واستخدام آليات الخدمة والتقريب والهبات والإغراء والاحتواء، وعلى رعاية الفوضى ومأسستها. ويقوم أيضا على نظام من الضرائب قائم على مبدأ “ريش الطير ليطير”، وعلى التسرب والاختراق والانقسامية في كل المجالات السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية).

إن هذا التعريف هو خلاصة لسيرورة من الحكم، تمتد منذ منتصف القرن 17 إلى اليوم، فحينما حكم العلويون المغرب وجدوا الظروف سانحة لممارسة الحكم، خاصة وأن العصبية القبلية قد ضربت ضربات قاسية واختفى تطلعها إلى الحكم:

كان المغرب يتكون من ثلاث عصبيات قوية كانت تتدافع وتتداول على الحكم:

عصبية صنهاجة: صعقتها عصبية مصمودة بعد القضاء على الدولة المرابطية

عصبية مصمودة: أخمدت جذوتها المتقدة هزيمة الموحدين في الأندلس في معركة العقاب وضربتها عصبية زناتة الضربة القاضية وأسست على أنقاضها الدولة المرينية.

عصبية زناتة: انتهت بعدما حلت الزاوية مكان العصبية القبلية، وأصبح المغرب مقسما إلى عدة مناطق تحكمها الزوايا روحيا وسياسيا، وهذا ما أنتج دولتان استندتا على شرعية الشرف ومباركة بعض الزوايا وهما الدولة السعدية بمساندة زاوية آقا، والدولة العلوية التي انطلقت من تافيلالت.

اعتمدت الدولة العلوية في بسط سيطرتها على العنف وعلى تركيع القبائل الثائرة وإرغامها على أداء الضرائب، ونظرا لأن الدولة العلوية لم ترتكز على مرجعية مذهبية خاصة، فإنها حافظت على المذهب المالكي الموروث من الدولة المرابطية والدولة المرينية، كما استفادت من شرعية الشرف التي سوقت لها الزوايا 1 ، وأكدتها سياسيا الدولة السعدية 2 .

لم تستطع الدولة العلوية أن تبني حضارة قوية على غرار الدول السابقة لها، رغم طول مدة حكمها، بل إن عمرانها يبرز الطابع المخزني القهري للدولة، حيث أننا لا نصادف في العمارة العلوية، غير القصبات العسكرية والقلاع المراقبة لتحركات القبائل، بل يسجل التاريخ على السلطان المولى اسماعيل أنه أخذ مجموعة من مكونات قصر البديع، وأدخلها في تزيين قصوره، وقد كان هذا الأخير أشد بطشا في تاريخ الدولة المغربية لم يصل إليه في القمع والعنف سوى حفيده الحسن الثاني.

لا نقيم هنا تاريخ الدولة العلوية، من حيث العمارة والعمران، بل نقلب معطيات قد تفيدنا في فهم المخزن كنسق وبنية معقدة، يتداخل في نسجها ترسبات تاريخية وتحالفات مؤسساتية، تجعلنا لا نلوم بعض الشعب في دفاعه الانقيادي عن سلطة المخزن.

ما يمكن أن نصف به المخزن دون مجازفة أو تغيير للحقائق، هو أنه بنية مغلقة تتميز بمرونة عالية، سمتها الأساسية أنها تتغير من أجل ألا يتغير شيء، وهذا ما عاشته الأجيال السابقة والحالية، ويمكن أن تعيشه الأجيال المستقبلية، إذا ما استمر الأسلوب المخزني نظام سياسي في الحكم والتدبير، فكم من تغييرات سياسية أعلنت، وكم من مبادرات اقتصادية واجتماعية رسمت، لكن لا شيء يفتل في سبيل بناء المغرب الديمقراطي، الذي دافعت وتدافع من أجله القوى الحية، مسترخصة في سبيل ذلك الغالي والنفيس.

4- المخزن والشمولية: أية علاقة؟

من جملة ما حفظناه في ثقافتنا المتواضعة تعريف للنظام الشمولي يقول النظام الشمولي هو تركيز كافة السلطات في يد الحاكم الذي يحتكر جهازه وسائل القوة والدعاية والانتاج).

هل يتوافق هذا التعريف مع طبيعة النظام السياسي في المغرب؟ لنجرب:

تركيز كافة السلطات في يد الزعيم: إذا كانت السلطة التنفيذية تمثلها الحكومة، فإن الدستور المغربي في الفصل الرابع والعشرين، ينص على أن الملك هو الذي يعين الوزير الأول ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، وله أن يعفيهم من مهامهم ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها.

والمحصلة أن في المغرب الحديث، ليست هناك سلطة تنفيذية مستقلة، بل الحكومة بكاملها جهاز وظيفي يأتمر بأوامر الملك ويجتنب نواهيه.

هذا في يخص السلطة التنفيذية، أما السلطة التشريعية التي من المفترض أن تكون رمزا للسيادة الشعبية، فإنها لا ترتقي حتى إلى جهاز وظيفي، بل هي مجرد ديكور ديمقراطي، مخصص للدعاية الإعلامية. فحسب الدستور فإن للملك حق حل مجلسي البرلمان (الفصل 27 من الدستور)، وللملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع نقاش) (الفصل 28)، وهذه الصرامة القانونية تجاه مؤسسة البرلمان تبين النظرة الدونية للدولة للمؤسسات الشعبية فالملك فوق الجميع هو الوصي الوحيد الأوحد على الشعب يحل ولا يشاور يخطب ولا يناقش.

والمحصلة أن السلطة التشريعية بيد الملك والبرلمان هو منتدى لسماع الخطاب الملكي وارتداء اللباس المخزني الأبيض والطربوش الأحمر والتصفيق بحرارة، وبعد ذلك فمن بقي له وقت من برنامجه الحياتي فعليه زيارة البرلمان لأنه أصبح أحسن مكان للراحة والأمان خاصة مع الإصلاحات التي عرفتها بنايته.

أما السلطة القضائية التي من المفروض فيها الاستقلال التام عن كل السلط والأجهزة فإنها خاضعة تمام الخضوع للدولة، فحسب الفصل 33 فإن الملك هو الذي يعين القضاة وحسب الفصل 86 فإن الملك يترأس المجلس الأعلى للقضاء كما أن جل الأحكام تنفذ باسم جلالة الملك.

هذا على مستوى السلط الثلاث، أما على مستوى احتكار جهاز المخزن لوسائل القوة (الجيش، الأمن، المخابرات) ووسائل الإعلام (الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ومجموعة من الصحف والمواقع الإلكترونية وأشباه المثقفين…) فإن هذا بات معروفا لدى الخاص والعام، كما أن الأمن في خدمة النظام وليس في خدمة الشعب، والإعلام متمسك بالأهداب الشريفة للمخزن وبوق من ابواق الدعاية التي تطبل وتزمر دون عرس أو ختان.

واستكمالا للتعريف، فإن هناك أساس آخر للنظام الشمولي: وهو احتكار وسائل الثروة والإنتاج، وهذا واضح ويعرفه المجتمع المغربي، ويصرح به الاعلام الغربي الذي ينعت الملك تارة بالملك المقاول، وتارة بملك الصخور…أضف إلى ذلك الجهاز المخزني الذي يعيث في الأرض فسادا، ويأتي على حقوق الشعب وأمواله وقد بدأت في إطار الحراك السياسي الذي بدأ يعيشه المغرب مع حركة 20 فبراير، حملات تشويه بموظفين لدى النظام، متهمين بسرقة ملايير الدراهم للجماعات المحلية والميزانيات العمومية وهذا ما هو إلا غيظ من فيض.

5- المخزن والديمقراطية أية علاقة؟

يصر المخزن على أنه نظام ديمقراطي، يمتلك كافة الأساليب المتعارف عليها في تدبير السلطة ديمقراطيا.

فالسيادة حسب الدستور للشعب، يمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء، وبطريقة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية.

وقد عرف المغرب منذ الاستقلال صياغة خمسة دساتير، الأول كان سنة 1962 والثاني كان سنة 1996 وجل هذه الدساتير خضعت لاستفتاء من طرف الشعب، وصوت عليها بقوة حسب المنهج البصراوي الذي خبره المغاربة كرائد التزوير والتغيير.

ويجب التنبيه، أنه ليس كل دولة له دستور ديمقراطية، بل إن من الدساتير من يجسد الحكم الشمولي المطلق وهنا لا بد من الحديث عن أشكال وضع الدستور:

طرق وضع الدستور:

1- الطريقة المكرسة للاستبداد (الدستور الممنوح): في هذه الحالة يصدر الدستور عن جهة وحيدة وهي الحاكم، و بغض النظر عن التحولات المجتمعية التي تدفع الحاكم إلى إصدار دستور ممنوح، فإن هذا الأخير يعتبر من الوجهة القانونية عملا منفردا يعبر عن إرادة الحاكم. (من يمنح يمنع) 3 .

2- طريقة العقد: عندما يشترك الحاكم وممثلوا الشعب في وضع الدستور، ويترتب عن ذلك عدم إمكانية أي طرف بمفرده إلغاء مقتضياته أو تعديلها.

3- طريقة غلبة الإرادة الشعبية وتتم بطريقتين:

أ- أسلوب الجمعية التأسيسية : يجسد خيار الديمقراطية التأسيسية، وهو أسلوب يوكل بمقتضاه إلى الشعب انتخاب ممثليه، الذين تناط بهم مهمة وضع الدستور، وتسمى الهيئة المنتخبة بالسلطة التأسيسية تمييزا لها عن السلطة التشريعية.

ب- أسلوب الاستفتاء الشعبي: يتم وضع مشروع دستور من طرف هيئة منتخبة أو لجنة حكومية أو من طرف الحاكم نفسه وهذا المشروع لا يصبح نافذ المفعول إلا إذا حظي بموافقة الشعب بواسطة الاستفتاء الذي يسمى استفتاء تأسيسيا.

وهنا لابد من التفرقة بين الاستفتاء التأسيسي والاستفتاء السياسي غير أن وضع مشروع الدستور من قبل لجنة حكومية أو من قبل الحاكم، قد يفضي إلى الخلط بين مفهومين للاستفتاء، وهما الاستفتاء التأسيسي والاستفتاء السياسي ، فإذا كان الاستفتاء التأسيسي تعبيرا عن الإرادة الشعبية، فإن الاستفتاء السياسي يستخدم لإضفاء الشرعية على دساتير أنظمة الحكم المطلق، ذلك أن الشعب الذي يستفتى أحيانا في دستور وضعه الحاكم أو لجنة حكومية قد يكون في وضعية لا يمكنه معها إلا تزكية الدستور، وبالتالي يغدو هذا الاستفتاء تعبيرا كاذبا عن سيادة الشعب وإخفاء لحقيقة السلطة المطلقة للحاكم) 4 .

أقول مؤكدا خاصة إذا كان الشعب أكثر من نصفه أمي، وجله تربطه علاقات مصلحية استرزاقية بالبنية المخزنية المعقدة، التي تتجاوز كونها نظاما اجتماعيا إلى منظومة اختراقية قادرة على التركيع بطرق كثيرة جدا.

قدرة المخزن على تسويق نفسه كنظام ديمقراطي تتجاوز الوثائق المكتوبة، إلى صناعة مشهد سياسي يؤشر من حيث الشكل على تعددية حزبية قوامها أكثر من 30 حزبا، لكنها تبين من حيث العمق والمضمون عن تعددية شكلية تشتغل داخل الخطوط الحمراء المرسومة سلفا.

وهكذا يكون الحزب السياسي في المغرب موظفا مخزنيا بامتياز، يسهر على تنفيذ التوجيهات وتطبيق البرامج –البرامج الصغرى فقط- أما البرنامج الذي تقدم به للحصول على أصوات الشعب فقد ذهب مع موسم الرياح الانتخابية وذبلت أوراقه إن لم نقل نجست في المراحيض والاستعمالات الخاصة

والغريب في الأمر أن الدستور الحالي يعكس هذه الحقيقية الوظيفية في الفصل الثالث: الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم).

بمعنى أن الأحزاب السياسية لها مهمتين, تنظيم المواطنين في البهرجة الانتخابية عن طريق خلق جو من التنافس الانتخابي، وتمثيله في مؤسسات شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع، أما الوظيفة الأساسية للحزب فهي تأطير المواطنين عن طريق التكوين والتوعية والاشراك في صناعة القرار السياسي والتدريب على ممارسة الديمقراطية المحلية والوطنية والانخراط في مشاريع مجتمعية أو برامج سياسية كبرى يسعى الحزب بكافة الوسائل المشروعة أن يصل إلى الحكم ليطبقها.

ومن العبارات التي تداولها جل الأمناء العامين لأحزابنا المغربية في خضم انتخابات 2007 حينما كان يسألهم عبد الصمد بن الشريف في برنامج تيارات عن برامج أحزابهم، فقد كان جوابهم أن برنامجهم هو برنامج المؤسسة الملكية.

هل يجوز لنا إذا أن نطلق وصف حزب على الأحزاب المغربية؟ ليس هناك جوابا جاهزا، لكن الحقيقة أن النعت الحقيقي لها هو الأحلاف وليس الأحزاب، ما دام الكل يعمل من داخل النسق ويسعى إلى استمرار البنية. وهذا ما يدفع الكثير من الفضلاء الديمقراطيين إلى المناداة بملكية برلمانية، حتى يتسنى لهم تطبيق برامجهم السياسية متى حصلوا على أغلبية برلمانية.

6- المخزن و20 فبراير إلى أين؟

قد يؤدي هذا التشريح السياسي لبنية النظام المغلقة، التي تتغير من أجل ألا يتغير شيء، إلى نكوص أو تشاؤم من العمل السياسي برمته في المغرب، لكن الحقيقة هو أن هذه البنية لا يمكن مجابهتها إلا ببنية أخرى أقوى منها، وهي القوة الشعبية التي ما أن تتخلص من الولاء لدين الانقياد، حتى تبدأ في البحث عن الحرية والكرامة، وأي حزب أو منظمة راهنت على الاصلاح من الداخل فإنها ستفسد من الداخل، والنماذج ماثلة أمامنا مثل حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان في وقت مضى، يسوق لبضاعة سياسية، نعتها البعض بمشروع مجتمعي، فما فتئ أن أصبحت قياداته تجعل من البرنامج المخزني دستورها في القول والعمل.

ولعل حركة 20 فبراير تمثل هذا الرهان الشعبي، الذي سيحقق للشعب المغربي ما لم تحققه الأحزاب السياسية أو بعبارة أدق الأحلاف السياسية كي نميز بينها، فكم من حزب تحول إلى حلف…

إن حركة 20 فبراير بشبابها و الهيئات الحقيقية الداعمة لها، هي بداية لانكسار دين الانقياد، الذي عشش في قلوب المغاربة، وجعل الخوف يسري في الكبير والصغير، حتى أضحى الرجال يركعون لغير الله وينظرون بالعين المجردة لفلان يظهر في القمر ولعلان يدخن سجارة الأعشاب في خطاباته…

هي فرصة تاريخية كبرى للجميع بما فيهم االمؤسسة الملكية، لتدشين منعطف تاريخي يقود المغرب إلى دولة مدنية، قادرة على مواجهة التحديات الدولية والاقليمية، لأن العالم يتغير بوثيرة سريعة أساسها الوحدة وأسلوبها الديمقراطية وقوامها المواطنة الحقة.

هناك خياران للمخزن أمام هذه الحركة المجتمعية التي تعكسها مطالب 20 فبراير ومظاهراتها:

1- الاستجابة لمطالب الحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وذلك ب:

– دستور شعبي نابع من إرادة شعبية يؤسس لدولة مدنية، قوامها التداول على السلطة، وإشراك الجميع في اتخاذ القرار السياسي.

– توبة جامعة قوامها الاعتذار للشعب من الظلم الذي لحق به، ورد أمواله إليه، آنذاك لا يمكن لهذا الشعب الكريم إلا أن يسامح ويعفو بعد أن يرى برهان الصدق وحقائق الفعل.

– التأسيس لميثاق جامع، يجمع كافة القوى الحية من أجل صياغة ميثاق أمة تريد القطع مع الاستبداد وتريد أن تستعيد كرامتها وحريتها دون وصاية أو منحة.

2- القمع والتقتيل والسجن والعنف للحركة، وهذا سيؤدي إلى نتائج عكسية والحقيقة ماثلة أمامنا في مصر وتونس فمن كان يظن من الحكام العرب أنفسهم، أن رجلا اسمه مبارك سيقدم إلى المحاكمة هو وزبانيته وأسرته….

كيفما كان الحال فإن الذين ذهبوا إلى الساحات يوم 20 فبراير لم يكونوا ينتظرون فراغا أمنيا ليعبروا عن مطالبهم، بل كانت الأمور مفتوحة على جميع الاحتمالات، خاصة وأنهم نزلوا والرصاص والصواريخ تمطر آلاف الليبيين الأحرار. فهل وصلت الرسالة؟


[1] نحن هنا لانبخس دور الزوايا في الجهاد والتأطير وإنما نتحدث عن بروز ظاهرة الشرف كمعطى ديني يستوجب الاحترام والتوقير لأهل البيت.\
[2] أسست الدولة السعدية لركيزة الشرف في الحكم خاصة بعد انتصار السعديين على البرتغال في معركة وداي المخازن.\
[3] محمد ضريف، “القانون الدستوري”.\
[4] محمد ضريف “القانون الدستوري”.\