لم يجد النظام بدا، في غياب صدقيته في التفاعل الإيجابي مع نبض الشارع المطالب بتغيير جذري يؤهل المغرب لممارسة ديمقراطية حقيقية، من المراوغة والمراهنة على عامل الزمن أملا في أن تخبو جذوة الحراك الشعبي المتنامي الذي تقوده حركة 20 فبراير، أو أن يجد سبيلا لاختراقها وتفجيرها من الداخل. أمام راهن هذا النظام على عامل الزمن فحدد ثلاثة أشهر للاستماع إلى اقتراحات الهيئات الحزبية والنقابية والحقوقية والجمعوية “المؤهلة”، كما وصفها خطاب 9 مارس، وهي مدة طويلة إذ المفروض أن الفاعل السياسي عموما يمتلك اقتراحات ومبادرات في شتى مناحي الشأن العام للبلاد، وإلا على أية فاعلية نتحدث. مرحلة الاستماع للمقترحات وظفت للتسويق الخارجي أساسا، فتميزت بطابع كرنفالي أشبه بموسم منتوج زراعي لم ينقصه سوى استقبال وفود الهيئات بأفواج من الخيالة و”الفنطازية”.

وبعد ثلاثة أشهر يكتمل تجميع المقترحات يصاغ مشروع دستور يُقدم إلى المؤسسة الملكية قصد الاطلاع والتزكية ليبدأ الجزء الثاني من المسلسل، فيُعرض المشروع على الهيئات المختلفة وعلى الشعب عبر وسائل الإعلام المبرمجة أصلا لتسويقه في أفق تقديم ملاحظات ورتوشات على أن ينادى للاستفتاء والتصويت على الدستور. وحيث إن كافة العمليات بدءً من مرحلة الاقتراح مروراً بمرحلة المناقشة وانتهاءً بالتصويت تتم في إطار الحكومة القائمة والتي هي أحد أعراض الأزمة السياسية في البلاد، وحيث إن وزارة الداخلية المُسلم لها بتزوير الاستحقاقات تزويرا نزيها، فإن نتيجة الاستفتاء لن تنزل عن 85% في رسالة لمن يُسيئون الظن في المخزن ويعتقدون أن نتيجة الاستفتاء معروفة وهي: %99,99.

بعد هذا الاستحقاق الذي سيكون “تاريخيا” يدشن به المغرب عهد الديمقراطية المحمدية، ويؤسس لتعاقد سياسي مسؤول بين المؤسسة الملكية والشعب. وليكون الاستحقاق “تاريخيا” سيستغرق الاحتفال به شهورا قبل الانتقال إلى الجزء الثالث من المسلسل من أجل الإعداد لانتخابات 2012 والتي لن يجادل أحد أنها هي الأخرى “تاريخية” لأنها أول استحقاقات تتمنى فيها كل حزب ألا يحصل على الرتبة الأولى تفاديا لتحمل مسؤولية قيادة حكومة تنفيذية ظاهراً وأسيرة تعليمات مخزنية من طرف خفي، ناهيك عما ستجده هذه الحكومة من تراكمات معضلات في سائر القطاعات، اقتضت مرحلة المخاض والحراك الشعبي غض المخزن الطرف عنها تجنبا لتأجيج الغضب الشعبي.

ثم جاء حادث تفجير مقهى “أركانة” صباح يوم الخميس 28 أبريل 2011 ليرخي بظلاله على مسار الحراك الشعبي ويجدها المخزن فرصة ذهبية للتشويش على حركة 20 فبراير ومطالب الشعب بالتغيير الحقيقي، فجيش الإعلام الرسمي بأنواعه لتصوير المغرب مستهدفا في مسلسله الإصلاحي وزعزعة أمنه واستقراره، ما يفرض تعبئة الجهود لتفويت الفرصة على المتربصين بالمغرب في إشارة خفية أن المقاربة الأمنية ضرورة لقطع الطريق على من تسول له نفسه التلاعب بأمن المغرب ومكتسباته الديمقراطية، وهذا يقتضي جمع الجهود وتأجيل المطالبة بالتغيير لأن سلامة الأبدان مقدمة على كرامة الإنسان في قاموس المخزن.

نهج التفافي لم يعد خافيا ولن يُجدي نفعا لأن الشعب بلغ درجة من الوعي تؤهله ليعرف خلفيات مناورات المخزن ويُجهضها قبل التشكل، ولعل دعوة حركة 20 فبراير لمسيرة وطنية تنديدا باستهداف مسلسل التغيير وتأكيدا على استمرار الحراك الشعبي لإسقاط الفساد والاستبداد خير دليل على ذلك.