تميزت الأيام القليلة الماضية بزخم من الوقائع والأحداث التي ترتبط بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ما زالت بلادنا أسيرة لها وتدفع ضريبتها، حيث تم الإفراج عن المعتقلين السياسيين الخمسة في ما يعرف بـ«قضية بليرج»، وعن عشرات المعتقلين على خلفية أحداث ما يصطلح عليه إعلاميا بملف «السلفية الجهادية». وهذه خطوة مهمة لتصحيح خطأ جسيم ارتكبته السلطة في حق مواطنين أبرياء وعائلاتهم وسمعة البلاد، رغم ما يشوبها، أي هذه الخطوة، من نقائص، لأنها أدرجت ضمن المفرج عنهم معتقلين لم يبق على نهاية مدة محكوميتهم إلا شهور قليلة، وبالمقابل استثنت مئات المعتقلين تنطبق عليهم نفس المواصفات والمعايير المعتمدة، وفي مقدمة هؤلاء المعتقلين أبو حفص والكتاني اللذان يعرف ملفهما إجماعا وطنيا حول براءتهما وعدم تورطهما في أحداث عنف.

ولذلك، فإن هذه الخطوة جاءت متأخرة وناقصة وغير شاملة، ولا بد من اكتمالها بالإفراج فورا عمن تبقى في السجن من المظلومين الذين ساقتهم إليه حملة أمنية شهد الجميع، بمن فيهم ملك البلاد، أنه شابتها تجاوزات وتهويل وتضخيم لم تتضح خلفياته ومبرراته ودواعيه إلى حد الآن، ولا بد من رد الاعتبار إلى المفرج عنهم، وفي مقدمتهم المعتقلون السياسيون الخمسة، ومعهم سادسهم السيد نجيبي، الذين لفقت لهم تهم إرهابية تتناقض مع مبادئهم وخطابهم وأهدافهم.

وتتمثل الواقعة الثانية في الرد البارد لوزير الداخلية، في جلسة الأربعاء الفارط بمجلس النواب، على سؤال النائب مصطفى الرميد حول ما يشاع عن معتقل تمارة وما يمارس داخله من أصناف التعذيب بناء على شهادات متضررين. وبطبيعة الحال، تهرب وزير الداخلية، كالعادة، من الرد المباشر مختبئا وراء عبارات عامة، حيث قال إن القانون المغربي يمنع التعذيب والاحتجاز والاختطاف وإن مراكز الاعتقال منظمة بقانون وإن القانون يضمن لكل متضرر اللجوء إلى القضاء.

إن هذا النوع من الردود يرجعنا سنين إلى الوراء مؤكدا أن دار لقمان ما تزال على حالها رغم الشعارات والخطابات، ففي أبريل من سنة 2007 صرح وزير العدل الأسبق محمد بوزوبع بأن معتقل تمارة مجرد مركز إداري تابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ويذكرنا، كذلك، كلام وزير الداخلية برد الحكومة في أكتوبر من سنة 2010 على تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الذي كان عنوانه «كفاك بحثا عن ابنك»، وقد تضمن حينها شهادات لمواطنين تعرضوا للتعذيب داخل هذا المعتقل، فقد جاء في رد الحكومة أن الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بالرباط زار مقر مديرية «الديستي» وفتش منشآته ولم يجد ما يدل على أن هناك مركز اعتقال!

وفي الحقيقة، فإن المتتبع لا يستغرب هذا النوع من التصريحات الرسمية لأننا اعتدنا عليها منذ عهد الحسن الثاني الذي كان ينكر، أمام كاميرات التلفزة، وجود سجني تازمامارت وقلعة مكونة، ولكن الزمن كشف الحقيقة وفضح المستور الذي لطخ سمعة البلاد واستنزف ميزانيتها بملايير التعويضات التي أدتها الدولة من مال الشعب لإصلاح أخطاء جلادين مازال بعضهم حرا طليقا، وبعضهم يتحمل مسؤولية عمومية. ولذلك يستحسن عدم التمادي في هذه الردود الممجوجة والإنكار المفضوح والبراهين الواهية التي لا تصمد أمام الحقائق المنشورة والمتواترة.

والواقعة الثالثة، تمثلت في تواتر الشهادات على ما يتعرض له أصحابها، أي الشهادات، من صنوف التعذيب والاختطاف خارج نطاق القانون دون أن تحرك النيابة العامة التحقيق والمتابعة في حق المتورطين أو أصحاب هذه الشهادات، وهذه خاصية غريبة تميز قضاءنا الذي يتعامل ببرودة دم يحسد عليها رغم سخونة القضية وحدة السياق والمرحلة. وتنضاف هذه الشهادات المنشورة على مواقع الأنترنيت وصفحات الجرائد إلى ما سبقها من شهادات وأخبار وتحقيقات حول هذا المعتقل، وهي الشهادات التي بصمت مغرب ما بعد 1999، أي تلك المرحلة التي لم يشملها عمل هيئة الإنصاف والمصالحة رغم أنها كانت محط انتهاكات فاقت كل ما ارتكب من انتهاكات جسيمة خلال العقود الأربعة التي سبقتها، سواء من حيث حجم هذه الانتهاكات أو عدد الذين كانوا ضحيتها أو حملات الاستنكار التي واكبتها أو الكلفة التي دفعها المغرب مقابلها من سمعته، وخاصة بعدما تسربت أنباء عن كون هذا المعتقل أصبح مركز تعذيب عالميا تستعين به المخابرات الأمريكية لاستنطاق قادة تنظيم القاعدة، ومنهم رمزي بن الشيبة، ويمارس فيه التعذيب نيابة عن دول أخرى.

والواقعة الرابعة تتمثل في عزم شباب على تنظيم اعتصام أمام هذا المعتقل واقتحامه والمطالبة بإغلاقه، وهي دعوة تلقى استجابة فطرية وتلقائية من قبل كل شرائح المجتمع وفعالياته بحكم الضرر المباشر الذي يلحق البلاد والعباد من استمرار هذا المعتقل مركزا للتعذيب تزهق فيه الأرواح وتنتهك الأعراض وتهان الكرامة وينكل بالأجساد رغم استنكار وسائل الإعلام وتقارير المنظمات الحقوقية وصيحات المعترضين التي تصنفه إلى جانب غوانتانامو وأبو غريب…

إن ما سبق ذكره من وقائع يفرض تحركا رسميا عاجلا قبل فوات الأوان لإغلاق هذا المعتقل وجبر ضرر كل ضحاياه ومعاقبة كل الجلادين. وهذا أضعف الإيمان.

لقد كان من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ضمانات لعدم تكرار سنوات الرصاص، ومنها إقرار استراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب والحكامة الأمنية وتقوية استقلال القضاء وإعادة تأهيل السياسة والتشريع الجنائيين.. وها قد مرت سنوات على هذه التوصيات بدون أي نتيجة. فأين الخلل؟

إن بلادنا مقبلة في الأيام القليلة القابلة على ذكرى 16 ماي، وأفضل هدية يمكن تقديمها إلى المغاربة بهذه المناسبة، يمكن أن تعزز أجواء الثقة وتلطف الأجواء المشحونة، هي إغلاق هذا المعتقل، واتخاذ قرار حاسم برفض إقامة أي معتقل سري، ومحاسبة كل الجلادين، ورد الاعتبار إلى كل ضحاياهم، وتمتيع كل المعتقلين بمحاكمات عادلة وعاجلة، وإلغاء قانون الإرهاب بسبب مخالفته لمقتضيات حقوق الإنسان ولأنه صودق عليه في أجواء ضاغطة، ونشر نتائج التحقيق حول تلك التفجيرات الإجرامية التي مرت عليها ثمان سنوات ولا نعرف شيئا عمن خطط ودبر لها وخلفياته.

ويستحسن أن تتم هذه المبادرة بطريقة تلقائية، وحتما ستكشف بعدها أسرار مفيدة لمستقبل البلاد، وقد تكون خطوة أولية في اتجاه شفافية مطلوبة لتدبير البلاد بما يرضي المواطنين الذين هم مصدر السلطة.