قفلت راجعا من مقبرة المعلاة بمكة المكرمة، بعد زيارة أم المومنين خديجة عليها سلام الله، وفي الطريق، استوقفني سرب كبير من الحمام، جلست لحظة وسطه، وأطعمته حبا، يطير ويحط على كفي من غير وجل، حينها تذكرت سبع حمامات في بلدي، صودر حقها في النوح وفي الطيران، فعَنَّ لي هذا الحوار، بين حمام الحل والحرم أو بين حمامة من مكة وحمامة من فاس.

•السلام عليكم ورحمة الله

●وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف الحال؟

•بخير والحمد لله، أطير في الهواء، وأتجول، وآكل الحب، وأنت؟

●كنت مثلك إلى وقت قريب قبل اقتيادي إلى هذا المكان الموحش

•هذا حرام، الحمام لم يخلق إلا للطيران، والحمام رمز للحرية والسلام، هلا تحاورنا قليلا لعلي أخفف بعض الألم عنك؟

●حللت أهلا ونزلت أهلا أختي، أخبريني من تكونين؟

•أنا حمامة من مكة المكرمة، وأنت؟

●أنا حمامة من فاس المحروسة.

•فاس! أهي المدينة العلمية في المغرب؟

●نعم هي كذلك، لكن مكة مهد العلم ومنبعه.

•يقولون إن العلم نبع عندنا هنا بمكة، وغُرْبِل في مصر، وسُفَّ عندكم في فاس…

● دعينا من مصر، المهم منبعه عندكم ومصبه عندنا. هيا حدثيني عن بلدك.

•هنا الحرم

●وهنا الحل

•هنا نطير ونرفرف

●وهنا نعتقل ونصفد كما ترين

•هنا عين زمزم

●وهنا عين قادوس

•هنا البيوت آمنة، والناس مطمئنة

●وهنا تداهم صباح مساء، ويروع ساكنوها

•نحن معشر الحمام لا يمتد إلينا أحد بسوء، من ضربنا أو جرحنا أو اعترض سبيلنا، يعاقب بفدية، ونحن نمر على الناس أحيانا، فنمطرهم ببعض خيراتنا، فلا يتأففون ولا يضجرون

●ونحن هنا، أعطيت تعليمات لتحطيمنا وإذايتنا فلا فدية ولا دم.

•هنا صحابة رسول الله

●وهنا إخوانه

•ما أجمل حوار الحمام مع الحمام

سيكون أجمل لو كنت حرة طليقة مثلك، لكنني في الأصفاد كما ترين

•صحيح، ولكن الحرية لها طعم مختلف بعد تجربة القيد، قريبا ينكسر قيدك، ثيقي بي يا أختي، سأسأل رب هذا البيت، أن يطلقك من عقال

●نرجو ذلك، والأمل كبير في الله سبحانه، وقديما قيل: “ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”، الحمد لله على أن ليس لأحد سلطان على قلبي

•الحوار معك شيق، لكن الذي ينغصه، ما أرى من سوء خلق أهل هذه البلاد، أكرمهم الله تعالى بأفضل مقام، ولا يقيمون له كبير وزن

●الحوار معك شيق، لكن منغصاته كثيرة، حمامة معي توفي والدها، فحال القيد بينها وبين أن تلقي نظرة الوداع الأخيرة عليه، وأخرى لم تستطع أن تحضن وليدة لها لحظة خروجها إلى هذا الكون، وأخرى حرمت من أخذ صغيرتها إلى أول درس من دروس التعلم في الحياة، ألا ترين أنها لحظات مهمة، حرمنا القيد من الاستمتاع بها؟

•كان الله في عونك أنت ومن معك، لكنها الدنيا لا تصفو لذي لب أبدا، كان أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام يمر من هذا الزقاق الذي أمامي، فينغص عليه يومه أبو جهل وأبو لهب…

●لكنه صبر حتى بلغ رسالة ربه، فنصره الله وأظهره على من عاداه وخالفه، أترين أن الله ناصرنا، ومخرجنا من غيابات الجب هذه؟

•والله لا أرى إلا ذلك، فعليك بالصبر، إن مع العسر يسرا،… غير بعيد عن هذه المقبرة، توجد شعب بني هاشم، وهناك حاصرت قريش رسول الله وأهله، حتى أكلوا من خشاش الأرض، ثم كان النصر حليفهم.

●شكرا على التذكرة، لكن قريشا تلك – رغم غيها وضلالها – لديها بعض النخوة، وبعض الشهامة، ما إن تبين صدق مقالة النبي من أن الأرضة أكلت صحيفتها، فكت حصارها ورفعت يدها عن النبي وأهله، أما قومنا – ولو ظهر زيف دعاويهم – قليلا ما يرعوون.

•الصبح أبيض، والحق أبلج، إذا ظهر يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، نرجو من الله أن يعود من آذوكُنَّ لرشدهم، فالحمام ليس مكانه القفص، بل الفضاء الفسيح.

●أو ترين ذلك حاصلا؟ أقصد أن يعود سجاننا لرشده؟

•بحق هذا الحرم الآمن نرجو ذلك من الله سبحانه.

●أخذنا الكلام طويلا، حتى نسيت أن أسأل عن اسمك؟

•اسمي “طيبة”، وأنت؟

●طيبة؟ يا له من اسم جميل ! أنا اسمي “مَهْلَة”

•تشرفنا يا مهلة، أنا أعيش من زمان بشعاب مكة، لكن قلبي معلق بطيبة الطيبة.

●القلوب تشتاق لطيبة فتخفق، ففيها أفضل الخلق.

•اسمعي يا مهلة. يقولون بأن لكل من اسمه نصيبا.

●صحيح، فما قولك في اسمي؟

•مهلة، على وزن نحلة، إذا أكلت أكلت طيبا، وإذا وضعت وضعت طيبا، وإذا وقعت على عود نخر لم تكسره، خفيفة الظل. وإن شئت على وزن نخلة، ترمى بالحجر، فترمي أطيب الثمر، أو شئت نملة، خفيفة هي الأخرى، … عمل دؤوب مخلص، لم يحطمها سليمان إذ دخلت بيتها.

●وأنا يا عزيزتي دخلت بيتي، فأخرجني منه قهرا جنوده، لم يحطموني، ولكنهم عذبوني.

•الضربة التي لا تميت تقوي، فلا تنزعجي. يا مهلة، مهلا، إنه يمهل ولا يهمل. عرفيني بصاحباتك الأخريات.

●طيب. اثنتان تحملان نفس الاسم: هذه سلمانة والأخرى سليمانية، وهي الكبرى والمتعبة كما ترين.

•هاتان سلمت يمينهما، وسلمهما الله من كل سوء، وأعز شأنهما، وسلام عليهما، اسمهما رمز لنا معشر الحمام، الحمام رمز السلم والسلام، وحاملات غصن السلام، وناقلات البريد بسلام. أخبريني عن الأربع الأخريات.

●هذه منورة، تقرئك السلام

•وعليها مني سلام، منورة تصلح نعتا لاسمي طيبة المنورة، نور على نور. زادها الله من نوره، ونور قلبها بأنوار اليقين.

●وهذه مصباح

•مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح نور يضيء الطريق، سلمي على مصباح، وقولي لها “أليس الصبح بقريب”، وأخبريها أن المصباح لن ينطفيء أبدا بإذن الله، سيبقى مضيئا دروب الناس، يهدي الحيارى. هنيئا لمصباح.

●أما هذه التي بجانبي، نسميها “هوارية”، عندنا هنا مدينة صغيرة اسمها هوارة، ويقال إن أحد الأولياء كان يحمل هذا الاسم.

•اسمعي، عندما يذكر الأولياء، نصمت، ولا نتكلم في حضرتهم، انظري لو أبدلنا الهاء نونا، ألا ترين أنها نوارة، مثل منورة ومصباح، هذه الأسماء عجيبة حقا. لم تخبريني عن تلك الحمامة الهادئة الجميلة في الزاوية هناك. ما اسمها؟ هي الحمامة السابعة أليس كذلك؟

●لا بل هي الحمامة الأولى، ههه هذه أمة الله “بَلَّة”، تبل أحشاء صادينا، وتروي ظمأنا بعذب حديثها.

•بَلَّةُ بلاء، وأكثر الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، أبلت بلاء حسنا، والله جازيها.

●والله ينعم بالبلوى يمحصنا من ذا سيرضى ومن منا سيضطرب

•الوقت معك مر سريعا جدا، كأنه دقيقة، أخبرتك عن صاحباتي، لكنك لم تخبريني عن صاحباتك شيئا. سأخبرك بكل تأكيد في المرة القادمة، اعذريني سأطير الآن إلى الحرم. أسمع صوت الأذان، ولا بد من تلبية النداء. في أمان الله عزيزتي، وإلى لقاء قادم.

●مع السلامة، وهنيئا لك الجوار المبارك، لا تنسينا من صالح الدعاء.