ما الذي يحدث بالضبط في هذا البلد العزيز؟ نريد أن نفهم. هل نحن بصدد الإصلاح والتغيير كما يزعم البعض أم إننا في انتكاسة حقيقية لا تحتاج إلى دليل؟ هل الإصلاحات تسير إلى الأمام كما يَدَّعون أم إن هناك تراجعا إلى الوراء كما هو باد وواضح؟ لقد أصبنا بالصدمة والدهشة وأشياء أخرى ونحن نسمع نبأ اعتقال الصحفي اللامع رشيد نيني في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات منادية بالتغيير والإصلاح والإطاحة بالفساد والاستبداد. أحسست بشيء ما غير طبيعي وأنا أنظر في الصفحة الأخيرة لعدد السبت والأحد الأخير من جريدة المساء فوجدت العمود الشهير “شوف تشوف” وقد حل مكانه السواد لأن صاحبه معتقل. لا يعني ذلك أننا نبخس جهود طاقم الجريدة، فنجاحها وتألقها ووهجها أسهم فيه الجميع بكل تأكيد، لكن عمود رشيد نيني يبقى المُمَيِّز الكبير للجريدة.

حين نتحدث عن رشيد نيني فنحن نتحدث عن “ماكينة” للكتابة، عن قلم سيال وجاد، عن قلم جريء لا يحسب للمخاطر حسابها، فهو مثال لمن مارس الحرية ولم يكتف بطلبها، حين نتحدث عن نيني فنحن نتحدث عن الرجل الذي هزت كتاباته الرأي العام كما النخبة ودوائر القرار بشكل غير مسبوق في المشهد الصحفي المغربي، يحق لنا أن نعتبر رشيد نيني رمز الصحافة المغربية. لكنه اليوم معتقل! لكنه اليوم في السجن! لكنه اليوم بدون قلم، لأن القلم في بلادي أصبح تهمة سافرة تمشي بلا قدم كما قال شاعرنا الكبير أحمد مطر. رشيد نيني معتقل لأنه فضح الفساد، لأنه اقتحم الطابوهات، لأنه قال جهرا ما يقوله الكثيرون سرا، لأنه شجاع باختصار، والشجاعة في هذا الزمن الأغبر أصبحت تؤدي إلى السجن والاعتقال.

لكن القاضية القاصمة التي أذهلتنا وأفجعتنا بشكل أكبر هي متابعة رشيد نيني في حالة اعتقال وبفصول من القانون الجنائي! وكأننا أمام “أخطر المجرمين”، فيما أخطر المجرمين أحرار طلقاء مستمرون في النصب والخطف والنهب للمال العام.

كنا ننتظر من الوكيل العام للملك أن يصدر بلاغا يدعو فيه إلى التحقيق في قضايا النهب والسلب والفساد الذي عم وطم وفشا كالسرطان في مؤسسات البلاد دون رقيب ولا حسيب، فإذا به يسير في الاتجاه المعاكس ويأمر باعتقال مَن فضح الفساد وبجرأة نادرة رغم بعض الجزئيات التي يمكن أن نختلف معه فيها. كان الأوْلى والأجدر كما يحصل في الدول الديمقراطية الحقيقية لا الوهمية أن يتم التحقيق في الملفات التي كشف عنها رشيد نيني، وفي حال كانت الأخبار زائفة أو كاذبة حينها تُحَوَّل المساءلة إلى نيني كما يطالب هو نفسه بذلك، لكن القضايا موضوع التحقيق من قبيل انتقاد الأجهزة الأمنية وخروقاتها إبان أحداث 16 ماي الأليمة، والمطالبة بمحاسبة المتورطين في تلك الخروقات، والدعوة إلى إسقاط قانون الإرهاب فكلها قضايا مرتبطة بالحق المقدس في الرأي والتعبير.

وإذا كانت أعلى سلطة في البلاد أقرت بالتجاوزات والخروقات التي شابت أحداث 16 ماي الأليمة، فهل يبقى هناك أي سند منطقي ومعقول لمتابعة نيني بما نسبه إليه الوكيل العام للملك في نص البلاغ، وإذا كان الملك دعا في العديد من خطبه إلى إصلاح القضاء وهو إقرار من أعلى سلطة بأعطاب القضاء، فهل هناك أي معنىً أيضا لمتابعة رشيد نيني بتحقير المقررات القضائية! ولماذا لم يتابع الوكيل العام للملك والي أمن الدار البيضاء الذي قال في اجتماعه مع الصحفيين بعد قمع وقفة 13 مارس بالبيضاء، بأن جميع المسيرات تحتاج إلى ترخيص، وأنه كرجل أمن لا تهمه الاجتهادات القضائية في الموضوع! ألا يعد هذا دوسا وضربا في الصميم للقضاء والقانون وليس تحقيرا فقط؟ بهذا يتأكد أن الاعتقال اعتقال سياسي أولا وانتقامي ثانيا، والسبب في ذلك انتقاد نيني اللاذع للأجهزة الأمنية والقضائية على حد سواء وخاصة في مقالاته الأخيرة، ودفاعه عن عميد الشرطة جلماد إلى حد ذكر رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في الموضوع، ودفاعه المستميت عن معتقلي ما يسمى “السلفية الجهادية”، بالإضافة إلى ملفات الفساد الخطيرة التي كشف عنها وبجرأة نادرة والتي لم يحاكَم بسببها مما يعني مصداقيتها، أما الهدف فهو إسكات صوت أزعج إلى حد كبير لوبيات الفساد في الاقتصاد والمال كما في السياسة والإعلام والأمن والقضاء…

اعتقال رشيد نيني مجزرة جديدة في حق الرأي والتعبير، فمن نصدق بالله عليكم؟ أقوال التغيير والإصلاح أم أفعال القمع والمنع والتضييق؟

تضامننا المطلق والكامل مع الأستاذ نيني وجريدة المساء في محنتهما الجديدة، وإننا على يقين بأن ما يجري رغم آلامه هو مخاض لولادة مغربٍ جديد، مغربٍ حر وديمقراطي، مغربٍ لا مكان فيه للفساد والاستبداد والتعليمات واستغلال النفوذ، مغرب القانون ولا شيء سوى القانون.

وفي الختام أهدي للكاتب والصحفي والشاعر رشيد نيني هذه القصيدة للشاعر الكبير أحمد مطر تحت عنوان “قلم”:

جس الطبيب خافقي

وقال لي: هل ها هنا الألم؟

قلت له: نعم..

فشق بالمشرط جيب معطفي وأخرج القلم..

هز الطبيب رأسه.. ومال وابتسم..!

وقال لي: ليس سوى قلم..!

فقلت: لا يا سيدي..

هذا يد.. وفم..

رصاصة.. ودم..

وتهمة سافرة.. تمشي بلا قدم..!