أجرى موقع هسبريس حوارا شاملا مع الأستاذ محمد الحمداوي، عضو مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان، وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة، حول العديد من القضايا السياسية والحركية التي يعرفها المغرب في هذه الأيام، موقف الجماعة من الدولة المدنية، ومصير الخلافة على منهاج النبوة،وشروط الجماعة لقبول الدخول في اللعبة السياسية ومقترحاتها من أجل التغيير، وعلاقتها بالأطياف السياسية الأخرى، وسر دعمها لحركة 20 فبراير، وموقفها من الملكية البرلمانية… وغيرها من القضايا المهمة يتطرق لها هذا الحوار.

نادت الجماعة مؤخرا بدولة مدنية. ماذا يعني هذا الأمر بالتدقيق؟

الدولة المدنية هي دولة الحريات العامة والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية والقرار المستقل والتداول السلمي على السلطة ودولة الاختيار الحر للشعب ودولة الانتخابات النزيهة وفصل السلطة والمساواة أمام القانون وصيانة المال العام وتقسيم الثروة الوطنية على أسس الكفاءة والفعالية والحاجة.

الدولة المدنية لا يمكن أن تكون إلا لائكية كما يرى بعض الملاحظين. ما هو رأيكم؟

الدولة المدنية لائكية في المنظور الفلسفي والفكري، والسياسي الغربي انطلاقا من الدور التاريخي السيئ للدين في أوروبا في تبرير الاستبداد والقمع ومصادرة حق الشعوب في الاختيار الحر والتحجير على العقل…ونحن لسنا نسخة للغرب في فلسفته واختياراته. بل لنا خلفية ومرجعية إسلامية واضحة في مناهضة الاستبداد والقمع والتسلط ومناهضة لأي توظيف للدين في تبرير الظلم والفساد والإقصاء، ومؤسسة للاختيار الحر للفرد والجماعة بما فيه اختيار الدين “لا إكراه في الدين” وللعدالة الاجتماعية وللأخوة الإنسانية ولكل القيم النبيلة كالأمانة والنزاهة والإخلاص وخدمة الصالح العام والفعالية…

تبني الدولة المدنية يمثل تحولا كبيرا في خطاب العدل والإحسان. هل هي قناعة في العمق أم مجرد مناورة سياسية؟

هذه حقيقة التطبيق السياسي المنطلق من المرجعية الإسلامية كما فهمناها من نصوصها واجتهاداتها المعتبرة، ولا تمثل تراجعا في الخطاب ولا مناورة سياسية. وإذا قارنا بين الثورات الأوروبية التي أسست للحياة الديمقراطية التي يعيشها الغرب حاليا وبين الثورات الجارية الآن في العالم العربي سنلاحظ أن الثورات الأوروبية كانت ضد الاستبداد وضد الدين الذي اقترن به. فعندما نجحت هذه الثورات أطاحت بالاستبداد والدين معا. لكن في الثورات العربية الجارية الآن تتم مواجهة الاستبداد. أما القيم المنبثقة من الإسلام فتقف إلى جانب الشعوب الثائرة وتشكل مصدرا من مصادر إلهامها في مواجهة هذا الاستبداد لأن الإسلام الحق دين المستضعفين ودين الثورة على الظلم ودين العدل ودين محاربة احتكار السلطة والثروة ومحاربة الفساد والمفسدين.. وهذا الدين بالمناسبة متجذر في نفوس وقلوب كل الجماهير العربية وهناك إجماع عليه وفهمه في العقل الجمعي للأمة هو بهذا الشكل الذي شرحت.

لطالما نادت الجماعة في أدبياتها بنظام مبني على الخلافة. هل يمكن القول أن هذا الأمر التاريخي قد ولى نهائيا. هل طويت قضية الخلافة إلى غير رجعة؟

يتصور بعض الناس أن نظام الخلافة في الإسلام هو نظام حكم شمولي تسلطي تتركز من خلاله السلطة في يد فرد واحد الذي تجب طاعته طاعة عمياء وتنقاد إليه “الرعية” انقياد القطيع ويتصرف في المال العام بلا حسيب أو رقيب..الخ.. ويلغي الحريات. وهذا تصور خاطئ لأن المسلمين الآن يتطلعون إلى دولة معاصرة. والدولة المعاصرة هي في رأينا دولة المؤسسات المؤهلة والمختصة والمضطلعة اضطلاعا تاما بمهامها سواء كانت رآسية أو تنفيذية أو تشريعية أو قضائية ولا مكان في عالم اليوم للقائد الملهم وللدولة المشخصنة في الفرد الواحد المحاط بمجموعة من المتملقين والوصوليين يتحكمون في رقاب الناس بالمكر والإغراء والاستدراج والخديعة…

إن نظام الخلافة لا يمثله الحكم الأموي ولا العباسي ولا ما لحقهما من دول الاستبداد منذ قرون إلى الآن. إن مفهوم الخلافة مقرون اقترانا تاما بصفة لازمة له هي صفة “الراشدة”. والرشد في الحكم يتجسد في كل معاني الحقوق المحترمة للشعوب في اختيار الحاكم وفي محاسبته وفي فصل السلط وفي العدالة الاجتماعية وفي الديمقراطية والتوزيع العادل للثروات.. بكلمة “الرشد” يعني سيادة الشعب.

ثم إن نظام الخلافة الراشدة كما نفهمها مستقبلا هي بمثابة تكتل فدرالي بين دول مدنية مستقلة وديمقراطية. وأقرب نموذج معاصر له هو الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية، مع رفضنا لأي عدوان تجاه أي شعب من شعوب العالم كيفما كانت ديانته أو قوميته.

هل الجماعة مستعدة اليوم للدخول في اللعبة السياسية؟ وبأي شروط وهل هذا ممكن في 2012؟

الجماعة غير مستعدة نهائيا للدخول في نسق سياسي مغشوش وعبثي كالذي يعرفه المغرب حاليا ويتحكم فيه المخزن كما يريد ويتلاعب بالأحزاب وبالإرادة الشعبية. وهو اختيار يقود إلى النفق المسدود.

والثورات القائمة حاليا في العالم العربي هي أساسا ضد مثل هذا النموذج الفاشل في تدبير الحكم. فلحد الساعة نفس العقلية سائدة ونفس “المنهجية”. هناك مشكل في التركيبة الفكرية والسياسية والنفسية للقائمين على الحكم في هذا البلد..

يبدو أنهم من الصعب جدا عليهم أن يؤمنوا بالقيم الديمقراطية وقيم العدل والحق في الاختيار الحر وقيم حق كل أفراد الوطن في الحياة الكريمة.. وعندما غابت هذه القيم غابت الإرادة الحقيقية في التغيير والبلد يتجه إلى المجهول إذا لم يوضع قطار التغيير على سكته الحقيقية. إننا نتطلع إلى نظام ديمقراطي حقيقي ونرفض التدجين والترويض والتمويه واللعب على الوقت.

لنفترض أن العدل والإحسان وصلت يوما إلى الحكم. كيف ستكون مواقفكم من تداول الخمور وقانون المرأة والسياحة..؟

نعيد التأكيد في هذا المقام على أهمية الحل الجماعي لمشاكل البلد وعلى ضرورة التدبير المؤسساتي التعاوني للحكم في هذا البلد على أسس ديمقراطية توافقية واضحة ومعلنة للجميع.

وعندما نتحدث عن دولة مدنية معاصرة فمعنى هذا ألا مجال لمصادرة الحريات الفردية والجماعية ومعناها أن الاختيارات مبنية على القناعات التربوية الفردية قبل كل شيء. وأن صور القمع وإرهاب الناس ينبغي أن تختفي تماما من المجتمع.

ما الذي يميزكم عن التشكيلات السياسية الأخرى. خصوصا إسلاميي العدالة والتنمية؟

أنا لا أخفي عنك أننا نجد حرجا في صفة “الإسلاميين” في بلد مسلم كالمغرب، كل أبنائه يعتزون بالإسلام وبانتمائهم إليه. نعم نحن حركة دعوية تربوية بمعنى أننا نربي أنفسنا وأعضاءنا على المبادئ والقيم النبيلة لهذا الدين وندعو الأمة للفضائل الراقية الوسطية والايجابية لهذا الدين. لكن على المستوى السياسي فنحن ندعو إلى حلف مناهض للاستبداد ورافض للعبثية السياسية ومطالب بحياة ديمقراطية حقيقية. ونلتمس من أبناء شعبنا ونخبه في هذا السياق المبدئية والشجاعة السياسية والمروءة والصرامة المطلبية قبل كل شيء.

هل يمكن غدا تصور تحالف سياسي بينكم وبين حزب العدالة والتنمية في إطار إنشاء قطب إسلامي كبير؟

كنا دائما وما زلنا ندعو إلى ميثاق يضم المكونات الفاعلة في البلد بغض النظر عن التوجهات السياسية ويتوافق على إقرار مجتمع مستقل أخوي وديمقراطي تسود فيه الحريات العامة والاختيارات الحرة. فنحن مع كل حلف يناهض الاستبداد ويعمل على إقرار الديمقراطية ونحن مع القيم الإسلامية الايجابية المصرة على انتزاع الحقوق وإثبات العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة.

تدعو الجماعة إلى عدم تقديس الأشخاص. لكن كثير من الناس يرون أن شخص الأستاذ عبد السلام ياسين مقدس عندكم وهو غير قابل للنقد. هل هي تناقضات بين الخطاب والواقع أم هي مجرد أحكام خاطئة تجاهكم؟

منذ تأسست الجماعة وهي تقول بأن لا قداسة للأشخاص وبأن كل ابن ادم خطاء.

هذا ليس صحيحا على الإطلاق. كل ما في الأمر أن المرشد عبد السلام ياسين علاّمة مرب شجاع محبوب عند الناس بقيادته الحانية وبأخلاقه العالية وبعطائه المستمر. وهذه الأمور وغيرها من الصفات الإيجابية جعلت له تقديرا داخل الجماعة وخارجها. وهذا التقدير ما أخرجه يوما عن بشريته ولا جعله فوق التداول الشوري الديمقراطي عند اتخاذ القرار داخل الجماعة.

لكن مع الأسف، إن الارتباط بالقيادة في عصرنا على أسس الأخوة الإيمانية والمحبة والتقدير والاحترام أصبح غير مفهوم في بعض الأحيان واختلط عند البعض بطقوس الخضوع الأعمى والخوف من البشر، وربما التملق والزبونية وتوظيف الدين في التسلط على رقاب الناس.

الجميع الآن أو قل معظم الناس مقتنعون اليوم أن العدل والإحسان تمثل قوة حقيقية في المغرب منظمة تنظيما عاليا ودقيقا ومنضبطا… سؤالي في رأيكم ما الذي جعل من العدل والإحسان هذه القوة؟ وكيف يمكن قياسها؟ مثلا كم عدد أعضائكم؟

هويتنا الإسلامية عندما تفهم على حقيقتها السلمية والمدنية والأخوية الرحيمة والشفيقة بالناس وعندما تجد السبيل إلى تمثلها العقلي والقلبي العميق كما هي في نقائها وتكاملها وعندما تنبعث منها قيمها الإيجابية في الفعالية والشورى والتداول الحر للآراء والاختيارات، وفي مواجهة الظلم والاستبداد… عندما يحدث هذا في إطار تنظيم مؤسساتي تمثل فيه القيادة القدوة في كل ما ذكر، فإن النتيجة تكون هي هذه الصفات التي ذكرت في سؤالك.. وتقدير قوتها بما هي عليه، وبمواقفها وبحضورها في الميدان، وباختياراتها التربوية والسياسية الناشدة للإخلاص والعدل والحرية والكرامة.

العدل والإحسان آلة ضخمة. بين الجناح الدعوي، والجناح السياسي وتفريعاته والتمثيليات الجهوية… تبدو الجماعة دولة صغيرة داخل دولة. كيف يتم تمويل تنظيم كهذا؟

الجماعة حركة دعوية وسياسية مدنية سلمية وهي ليست دولة داخل دولة. وتعتبر نفسها جزءا من مكونات هذا الوطن، ورفعت منذ تأسيسها شعار الاستقلالية في التوجه والقرار وأيضا في التمويل. وهذا ما حفظ بفضل الله قوة شخصيتها المعنوية والتنظيمية وأبعدها عن كل ابتزاز أو مساومة من قبل أي كان.

بخصوص حركة 20 فبراير. العدل والإحسان تدعمها دعما كاملا وتحترم شعاراتها. لكن الجماعة لم تظهر كل قوتها عدديا في المظاهرات التي جرت لحد الآن. لماذا هذا الإحجام؟

الأمر لا يتعلق بالجماعة أو بشأن خاص بها كي يتم الحديث عن قوتها وعددها. إن الحركية الحالية في المجتمع المغربي تهم كل المغاربة بمختلف توجهاتهم، المناهضين للظلم والاستبداد والاحتكار والمطالبين بالحرية والكرامة والديمقراطية. وأعضاء الجماعة منخرطون باعتبارهم أبناء هذا الوطن وإخوة لكل أبنائه. فالمطالب الشعبية المشروعة تتطلب اليوم اصطفاف وتعاون الجميع بغض النظر عن كل انتماء حزبي أو حركي. وقوة الاحتجاج هي من قوة الحضور الشعبي الجامع والتلقائي.

هناك من يدعو اليوم إلى الملكية البرلمانية. هل هذا الأمر مقنع لكم؟ هل هذا النموذج يناسبكم؟

هناك اتجاهات تريد إفراغ المطالب الحركية الجدية من مضمونها بمحاولة إشغال الناس بالحديث على الأشكال دون الغوص والتركيز على جوهر المشكل. ما هو هذا الجوهر؟ في العالم العربي ملكيات وجمهوريات… الأشكال متعددة ومختلفة لكن الجوهر واحد هو الاستبداد. فإذن لا ينبغي أن نشغل أنفسنا في الحديث عن أشكال فارغة دون التركيز على اللب والأساس الذي هو إلغاء الاستبداد بكل مظاهره وإلغاء تبعاته كالفساد والتسلط واحتكار الثروة، وبناء الحكم على اختيارات ديمقراطية واضحة ولا تحتاج إلى كثير تعقيد: هيئة تمثيلية حقيقية للشعب وقواه الحية تضع دستورا ديمقراطيا، ومبدأ اختيار الشعب لمن يحكمه ويحاسبه عبر آلية التداول السلمي على أساس انتخابات حرة ونزيهة، وفصل حقيقي للسلط، والتقسيم العادل للثروة، ولا قداسة لأحد، ولا أحد فوق القانون والدستور ولا تبرير ديني لأي تسلط سياسي. وحلول استعجالية للملفات الاجتماعية الشائكة مثل (التعليم-الصحة-السكن-الشغل…).