درج المخزن على التعامل مع المطالب الشعبية بأسلوب انتقائي يُسَوِّقُ من خلاله الإقدام على خطوات -توصف دائما بالتاريخية والجريئة- إصلاحية وإرادة حقيقية للارتقاء بأحوال العباد والبلاد، وإشارات قوية تبرهن عن جدية النظام وحسن نواياه للإصلاح، يتولى الإعلام الرسمي التطبيل والتزمير لها، ولأعوان المخزن تُوكل مهمة “تضليل” الرأي العام وذر الرماد في العيون.

وبنفس النهج عُـولج ملف المعتقلين السياسيين وبعض معتقلي ما يسمى “السلفية الجهادية”، إذ سعى النظام من خلال عملية الإخراج التي اختارها للإفراج على المعتقلين السياسيين لضرب عصفورين بحجرة واحدة: نأيه بنفسه عن التنازل للإرادة الشعبية المطالبة بطي ملف الاعتقال السياسي، لكي لا يعتبر الإفراج نتيجة ضغط الحراك الشعبي، وإضفاؤه المصداقية على المجلس الوطني لحقوق الإنسان دفعا لتساؤلات النجاعة والفاعلية التي رسخها المجلس في الصيغة “الحرزنية” السابقة.

ومن حيث الجوهر، اعتُمِد المعيار الكمي –العدد- وسَوَّق أن 180 مدانا في ملفي ما يعرف بخلية بلعيرج والسلفية الجهادية استفادوا من عفو ملكي تعبيرا على نية النظام الصادقة في توفير المناخ السليم لانخراط الجميع في أوراش تأهيل البلاد للدمقرطة والحكامة الرشيدة والمسؤولية تحقيقا لكرامة المواطن وحريته ورقي المغرب وازدهاره.

وبالتدقيق في ملفات من استفادوا من العفو يظهر، باستثناء المعتقلين الخمسة، الالتفاف المخزني على الملف، فحوالي 90 ممن شُملوا بالقرار خفضت مدة سجنهم أو حددت وهؤلاء ذوو الأحكام الثقيلة: (الإعدام، المؤبد، 30 سنة)، في حين أن حوالي 100 الآخرين الذين سُرحوا لم يبق على إتمام مدد محكوميتهم أكثر من ثلاثة أشهر، أي أن إطلاق سراحهم لا يعني شيئا بالنسبة لهم لا سيما وهم يعتبرون أنفسهم ضحية مؤامرة دبرت بليل خدمة لأجندة يجب كشفها قَضوا على إثرها أكثر من سبعة سنوات ذاقوا خلالها وأهاليهم سوء العذاب وأفدح الإهانات.

والحالة هذه، هل يمكن اعتبار يوم 14 أبريل 2011 تاريخيا وعلامة فارقة في مجال تثبيت الحقوق وترسيخ مبادئ المواطنة الحقة كما صرح القائم على المجلس الوطني لحقوق الانسان؟ أم إن الأمر كان يقتضي مسطرة أخرى إن رغب النظام حقا في معالجة هذين الملفين لاسيما وقد دخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان على الخط؟

إن معالجة هكذا ملف يحيل بظلاله على عهد سنوات الرصاص تتطلب بعد تمكين المعتقلين من السراح المؤقت في انتظار محاكمتهم فتح ملفات هذه القضايا التي توبعوا من خلالها وإجراء تحقيق نزيه ومستقل في ملابساتها وخلفياتها، والتدقيق في جميع المساطر بدءً من الاعتقال وظروفه والتحقيقات وخروقاتها والمحاضر وبنائها والتهم وصحتها والمحاكمات وأحكامها. إجراءات ضرورية لقطع دابر هذه الممارسات المُشينة ترد الاعتبار لكرامة المواطنين بالضرب على أيدي من يُسَخرون سلطةَ أجهزةِ الدولة نيلا من الخصوم السياسيين أو تحقيقا لمآرب شخصية أو انخراطا في أجندة خارجية. وفي ذات الوقت تعيد -أي الإجراءات- للدولة قيمتها لتحظى بثقة المواطن وتقديره عوض أن تكون أجهزة الدولة أشبه بعصابة تتربص بالمواطن الذي يعتبر نفسه في هكذا أجواء أنه في حالة سراح مؤقت، في انتظار أن يلقى عليه القبض في أية لحظة ليجد نفسه متابعا ثم مدانا في قضية زعزعة الأمن العام للبلاد وتهديد استقرار المجتمع، ليقضي عقودا من عمره في غياهب السجون يتطلع ليوم تاريخي على غرار أيام تاريخية خلت تؤرخ أن لا تغييرَ جذريا يُرجى من مخزن يرى أن المواطن متهم حتى تثبت براءته ولو بعد سنين.

دون تفعيل مساطر المساءلة والمحاسبة لا ضمانات أن نهج المخزن سيقوم، فمن شب على الاستبداد شاب عليه؛ فمنطق التعليمات باقٍ، والأجهزة المبرمَجة على إذلال المواطن وإهانته تطور أساليبها القمعية لتنال من كرامة الإنسان دون أن تترك أثرا “لإبداعاتها” على جسمه ترصده عدسات كاميرات الجمعيات الحقوقية أو عيون الخبرة الطبية. هذه هي “العبقرية” المخزنية.