من أهم ما ملك لب الحديث مؤخرا، واستحوذ على اهتمام المتتبعين للشأن السياسي – بعدما عرفته كراسي الحكم الصدئة المهترئة في بلاد الإسلام من اهتزاز وتهاو- قضية المشروعية في الحكم وتأرجحها بين الارتكاز على السلطة الدينية أحيانا أو الاستناد إلى التاريخية أحيانا أخرى أو التلويح بالديمقراطية نفاقا وتزويرا للحقائق في كثير من الأحيان.

ولهذا فإن مجموعة من الحكام وجدوا أنفسهم – بعد نهضة شعوبهم وحصارها لهم – وجها لوجه أمام سؤال المشروعية، مما جعل العديد منهم ينزع إلى الإبداع في أشكال التبرير السلطوي في إصرار غريزي يشبه إلى حد كبير التمسك الطفولي بلعبة تافهة حتى ولو كانت ملكا للغير حيث يشتد هذا التمسك كلما أحس الطفل بقرب فقدانها.

وفي مقابل ذلك تزداد يوما بعد يوم ندرة الحديث عن عظم المسؤولية في الحكم، والأمانة التي يتقيد بها كل من تولى أمرا من أمور المسلمين، حتى أصبح يعد من قبيل الأساطير مجرد ذكر قصة من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو غيره من السلف، ويكفي لإثبات ذلك القيام بمقارنة بسيطة بين نشرة خبرية عن رد فعل حاكم حالي يقال له “ارحل” وبين قصة سيدنا عمر بن الخطاب حين نصحه البعض بتوريث الحكم وهو على فراش الموت فقال حسب آل الخطاب أن يحاسب واحد منهم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم).

ونحاول من خلال ما يأتي بسط بعض معالم أسس الشرعية في سلطة الدولة من خلال مساءلة جزء من الادعاءات في هذا الباب على ضوء الواقع والمنظور.

المشروعية الدينية

من أخطر ما ابتليت به المجتمعات الإنسانية على مر التاريخ ما سمي بالدولة الدينية أو الثيوقراطية، وهي الدولة القائمة على قداسة الحاكم الذي يعتبر نفسه مفوضا إلهيا يتكلم باسم الإله، وله على رعاياه حق الخضوع والطاعة. وقد عرف هذا النموذج من الحكم أوجه عند الأوربيين في القرون الوسطى التي شكلت رمز الانحطاط والتخلف الحضاري عند الغرب، حتى وصلت سلطة الكنيسة إلى درجة الإفتاء العلمي والجغرافي ومحاربة كل من يخالف إملاءاتها ومسلماتها حتى وإن تم إثبات عكسها عن طريق التجربة والبحث العلمي. ويمكننا في هذا الإطار تصور كيف تصبح معارضة الحاكم على مستوى التدبير السياسي أو الاقتصادي تمردا صريحا على الإله وردة دينية تستوجب القتل.

وإذا كان هذا الأمر قد شكل دافعا للقوى التحررية الغربية من أجل الثورة على الدين وعزله عن السياسة، فهو في نفس الوقت اعتبر ذريعة عند بعض المسلمين للمطالبة بالشيء ذاته رغم أن الفرق شاسع جدا بين المشهدين. ويكفينا نظرة لمرحلة من مراحل البروز الحضاري والسياسي لدولة الإسلام حتى نعرف أن هذا الأخير لا يدعو إلى ما يسمى “بالدولة الدينية”، بل يعتبرها إساءة لمبدأ الحكم الذي يجب أن ينبني على أساس من الشورى والمسؤولية والمحاسبة المستمرة. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه عند توليه إمارة المؤمنين: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني… أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم). وبناء عليه يتبين أن الدين بالنسبة لدولة الإسلام يشكل “مرجعية للحكم” وليس “مشروعية للحكم”.

المشروعية التاريخية

نتناول هذا المحور من خلال زاويتين: مشروعية شكل الحكم ومشروعية الحاكم.

فعلى المستوى الأول: هناك من الناس من يحاول إضفاء المشروعية على شكل من أشكال الحكم لمجرد أن التجربة التاريخية بشرت بإمكانية تحققه أكثر من أشكال أخرى. لكن هذه الفكرة قد تخفي في طياتها مخاطر كبرى، لأن التاريخ أبدى لنا أن مجموعة من الدول كانت تعد في مصاف المتقدمة أو السائرة قدما نحو النمو ضاربة المثال في نموذجية تدبيرها السياسي والسلطوي إلى أن انهارت بشكل مفاجئ مسفرة عن كوارث اجتماعية كان الاستبداد قد نجح في إخفائها بشكل ذكي.

وعلى المستوى الثاني اجتهدت العديد من الأنظمة في البرهنة على شرعيتها من خلال المدة الطويلة التي ارتبط فيها الحكم باسمها. فهذه أسرة مالكة تستمد سلطتها بالوراثة جيلا بعد جيل، وذلك رئيس يدعي أنه قدم كل ما يملك من أجل استقلال بلده وتقدمه. فهل يعطي ذلك كله الحق في استمرارية السلطة حتى وإن كانت ضدا على إرادة الشعوب؟!

يكفي من أجل الرد على هذه المزاعم عند حكام المسلمين ربط المشروعية بالمسؤولية من خلال طرح السؤال التالي: إذا كانت سلطتك أيها الحاكم مشروعة بمقتضى تاريخك العتيد وتاريخ أجدادك، أفلا تكون بالضمن المسؤول الأول عن الانحطاط الذي لا تزال تتخبط فيه دولتك على مر هذا التاريخ؟!

المشروعية الديمقراطية

تعتبر الديمقراطية في الحكم من أرقى الأشكال التي أبدعها الفكر الإنساني وأقربها إلى الأسس التي رغب الإسلام في تبنيها، وذلك لأن السلطة في ظلها تكون من نصيب الشعب الذي تصبح لديه القدرة على تنصيب الحكام أو عزلهم أو محاسبتهم عند الاقتضاء. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “الشورى والديمقراطية”: كلمة ديمقراطية تعني حكم الشعب، واختيار الشعب، والاحتكام إلى الشعب، وهذا أمر ندعو إليه ولا نرضى بغيره).

وبناء على ذلك يبقى هذا الاختيار المبني على الإرادة الشعبية هو الأصوب لإعطاء الشرعية لسلطة الحكم والضامن من الانزلاقات الممكنة في ظل الاستناد إلى شرعيات زائفة كالتي أدرجناها سلفا.

ولذلك نجد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في بداية حكمه التجأ إلى هذا الاختيار بعد أن اعتبر وراثته للحكم من خلال بيعة الإكراه فاقدة للشرعية، فقال في أول لقاء له مع “الشعب” حين استخلافه أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فول أمرنا باليمن والبركة…، ثم -بعد كلام- رفع صوته حتى أسمع الناس فقال: يا أيها الناس من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.)