المتتبع لمسيرة جماعة العدل والإحسان يلحظ الازدواجية في التعاطي مع ملفها من طرف النظام المخزني وأعوانه، بحسب المحطات والمنعطفات التي يجتازها وطننا الحبيب.

ففي السابق، وخصوصا حينما يتعلق الأمر بمواعيد انتخابوية “نخبوية” محسومة النتائج سلفا، وما يصاحبها من تدليس واستعمال للمال الحرام، وتهريج وصخب لحجب النظر عن “أم المعارك”، واختزال الصراع بين الفرقاء في تفاصل جزئية هامشية، لا تسمن هزيل السياسة ولا تغنيه من جوع، فإن المخزن يجلب بخيله ورجله، ويجند أبواقه الرسمية وأذنابه الخفية ليقدم الجماعة بوصفها عددا من المريدين المتصوفة -بالمعنى القدحي للكلمة- المعتزلين للواقع، الذين يعيشون خارج إحداثيات الزمان، واضعين شروطا للمشاركة الانتخابية يستحيل تحققها عدا في المنام، لتبرير عجزهم عن المقارعة في الميدان، بغية إفساد “العرس الانتخابي” و”الإجماع الشعبي”، وهدف المخزن من وراء ذلك حجب حقيقة موقف الجماعة الرافض لتلك المسرحية شكلا ومضمونا لكونها تشكل مذبحة حقيقية للديمقراطية، وهو موقف يتساوق مع موقف الأغلبية الصامتة من الشعب المغربي إلى درجة التماهي، لذلك يهدف المخزن من خلال أبواقه أن يزايل ويمايز بين الموقفين، ليعزل الجماعة عن الشعب، لئلا يتجاوب مع طرحها أو ينخرط في مشروعها، حيث يجيش آلته الدعائية الرهيبة، ومنها بعض المشاركين في المسرحية الهزلية الهزيلة، و”اللعبة” المكشوفة الرتيبة، ليفسروا صمت الغالبية على أنه علامة الرضا عن الأداء، والانخراط في البناء، وأن إحجامهم عن المشاركة غضب على أداء بعض الأحزاب طبيعي لا يعاب، أما من جهر بموقفه ووضع الأصبع على الداء، واقترح بصدق الدواء، فهو رجعي ذو نظارة سوداء، مثالي حالم، وبالأحرى لا يفقه في السياسة ابتداء.

أما وقد قرع التاريخ طبوله، وأطلق قطاره صفارته، مؤذنا بتحرك نحو الكرامة والحرية، والعزة والمسؤولية، فإن تلك الأبواق نفسها، والأزلام عينها، تنحرف فجأة إلى النقيض، وتميل بـ180 درجة مئوية، لتنسب الحراك الدائر، والمخاض المجتمعي المؤذن بمولود جديد، لتلك الجماعة بل تقصره عليها، حيث عمدت إلى التعريف بمؤسسات الجماعة وبرامجها، والإشادة بانضباط أعضائها وجاهزيتهم للتعبئة، والاعتراف بقوة تنظيمها وتماسك صفها، بطبيعة الحال تحت طائلة “مكره أخوك لا بطل”، وإلا كيف يفسر البيان الناصع الذي نطق به “صحافيو” الإعلام الرسمي (الذي يفترض أن يكون عموميا) بعدما حٌّلّت عقد ألسنتهم لتنطق بجملة تعد في “دستوره” من أكبر الكبائر التي لا يثاب ناطقها، ألا وهي: جماعة العدل والإحسان.

هذا التهويل المخزني من الجماعة، ينضاف إلى عمله على تشويه شباب حركة 20 فبراير، وكذا تخويف من اليسار الراديكالي، وعزفه على وتر القوميات، ومحاولة تمييع الحركة بحشر بعض ممن ساهم في نكسة المغاربة على حافتاها، كل ذلك محاولات يائسة بائسة لإيقاف قطار التغيير، أو حتى إبقاءه في مسار داخل “محطات” مسيجة سلفا، وبما أن قوة الدفع تفوق ملايين المرات طاقة الكوابح، لكونها قوة دفع شعبية، وراءها غالبية طالما صمتت وهي ترنو وتهفو لغد الحرية والكرامة، تحت نير ألوان من الأغلال.

الآن وقد صمم الشعب على قيادة التغيير بنفسه، وسحب التفويض ممن تلاعب بماضيه وحاضره ومستعد للإجهاز على مستقبله، فعبثا يحاول المستفيدون من وضع ما قبل20 فبراير بعصيهم التي لم تعد تجدي نفعا في إيقاف عجلة دراجة هوائية بعدما كسرت جميع أسلاكها، فأحرى أن توقف قطارا بقوة دفع مجتمعية، إنه الخبل والخطل.