أعادت محكمة الاستئناف بفاس فتح ملف مختطفي العدل والإحسان السبعة، ففاحت من جديد الرائحة الكريهة للجرائم المخزنية التي ارتكبت في حق هؤلاء المواطنين؛ فقد اقتحمت الفرقة الوطنية بيوتهم في جنح الظلام، وروعت عائلاتهم وأطفالهم، واختطفتهم ثم أذاقتهم أفظع أشكال التعذيب قبل أن تلفق لهم تهمة جاهزة خالية من الأدلة والثوابت.

إنه واحد من الملفات الشاهدة على استبداد العهد الجديد، وحلقة من حلقات كثيرة تؤكد حجم الظلم والقمع الذي يتعرض له مواطنو هذا البلد في ملفات مشبوهة ومفبركة، رُفعت عنها الأقنعة المزيفة، وفُضحت أهدافها الدنيئة، وخرج ضحاياها عن صمتهم ليحكوا عن بشاعة الصورة الحقيقية “للأجهزة الأمنية” التي لم تفلح شعارات الحق والقانون والحرية في إخفائها.

لقد كانت واقعة قياديي العدل والإحسان السبعة المختطفين بفاس في مرحلتها الأولى صرخة من الصرخات التي أفزعت كل الفضلاء داخل المغرب وخارجه، ونبهتهم إلى أن صفحة زوار الليل وسنوات الرصاص بالمغرب لم تطو كما يزعم العهد الجديد، وها هي السلطات المخزنية تفتح المرحلة الاستئنافية لهذه الواقعة لتكون صرخة جديدة تختبر مزاعم “الإصلاحات” المروج لها هذه الأيام.

لقد بدأ ملف مختطفي العدل والإحسان السبعة بفاس سياسيا وانتهت مرحلته الابتدائية سياسيا، فلم يكن أحد يشك أن السبب الأساس لما تعرض له السبعة المختطفون هو رأيهم السياسي وانتماؤهم لجماعة العدل والإحسان التي يتعسف المخزن المغربي على أعضائها بكل الوسائل، ولقد كان الاختطاف والاختفاء القسري والتقرير الطبي الذي أكد على وجود آثار التعذيب، كان كل ذلك داعيا للتضامن الحقوقي الداخلي والخارجي الذي حضي به هذا الملف، وأمام خلوه من أي إثباتات ودلائل تدين المحاكمين السبعة فقد برأتهم المحكمة الابتدائية من كل التهم المنسوبة إليهم.

فما الذي تريده الجهات التي حركت الملف باستئناف هذه المحاكمة الظالمة؟ وما الذي تبغيه بالتقديم له، قبل أسبوع، بالإدانة الظالمة للأستاذ الشاعر منير الركراكي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، من أجل إبداع شعري ناصر فيه السبعة أيام اختطافهم؛ فإذا كانت تبغي لَيَّ ذراع جماعة العدل والإحسان لمنع أو عرقلة دعمها لحركة 20 فبراير، أو مساومتها على ثوابتها، فإن ذلك دليل على عدم قدرتها على فهم الجماعة وتقدير ثباتها، وعلى التجديف خارج معطيات الواقع القائم. وإذا كانت تسعى لاسترجاع بعض من ماء الوجه الذي أذهبته أطوار ونتائج المرحلة الابتدائية من القضية فإن ذلك يجعها تسلك الأسلوب الخطأ، لأن ماء وجهها لن يعيده إلا نهج سياسة قائمة على احترام كرامة المواطن وحريته السياسية وحقوقه الكاملة وليس الإصرار على السير في دروب القمع والتلفيق المظلمة، خاصة بعد أن لاحت في الأفق أنوار الحقيقة الكاشفة.

إن الشعب المغربي، وهو يطالب اليوم بإسقاط الفساد والاستبداد، لن يقنع بأقل من اقتلاع جذور الاعتقال السياسي باعتباره أحد تجليات الاستبداد، فإطلاق سراح السجناء السياسيين لن يكون نهاية لهذا المسلسل الطويل الذي لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد، فبعد تزمامارت جاء معتقل تمارة السري، وبعد معتقل تمارة السري الرهيب لن يعجز خفافيش التعذيب والاختطاف عن إيجاد مكان جديد لممارسة طبيعتهم المتأصلة مهما أظهروا للشعب من تطبع كاذب.