أجرت أسبوعية الأسبوع، عدد 1075، حوارا شاملا مع الأستاذ حسن بناجح، الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة، حول العديد من القضايا السياسية والحركية المطروحة اليوم على خلفية الاحتجاجات الشعبية التي تقودها حركة 20 فبراير، موقف الجماعة السياسية، وتنسيقها مع الفضلاء، ومقترحاتها من أجل التغيير، وعلاقتها بالداخل والخارج، ولقاءاتها مع بعض السفارات… وغيرها من القضايا المهمة يتطرق لها هذا الحوار الذي نعيد نشره تعميما للفائدة:

هل أنتم داخل حركة 20 فبراير أم معها أم تقودونها؟

نحن داخل حركة 20 فبراير ومعها، فشباب جماعة العدل والإحسان جزء من عموم الشباب المغربي، يعنيهم ما يعنيه ويضرهم ما يضره ويلحقهم ما يلحقه، لذلك فقد كان العديد من شباب الجماعة منخرطين منذ البداية في النقاش الدائر على صفحات الفيسبوك بخصوص التظاهر ضد الفساد والاستبداد إلى جانب باقي الشباب سواء المنتمي أو المستقل سياسيا، ولما ظهرت جدية ومشروعية المطالب التي تبنتها هذه الحركة وسلمية تحركها كان قرار الجماعة بالتفويض لقطاعها الشبابي تدبير الدعم اللازم لإنجاح هذا الاحتجاج الاجتماعي الذي حرك المياه الآسنة في لعبة السياسة والسلطة. أما الحديث عن قيادة الجماعة للحركة ففيه الكثير من التحريض الذي حاولت بعض الأطراف الركوب عليه قصد شق الصف المتراص لهذه الحركة، لكن الحضور والالتزام الذي أبان عنه شباب الجماعة وكل الشباب في مختلف التنسيقيات على امتداد جهات البلاد جعل مكر الماكرين يسقط في أيديهم، فأعضاء حركة 20 فبراير باتوا يعرفون الجماعة وشبابها عن قرب، ولم تعد سياسات التخويف وفَرِّق تسد تنطلي على أحد.

كيف توحّدتم مع تيارات سياسية يسارية وعلمانية في دعم هذه الحركة؟

هذه حركة احتجاجية قامت من أجل تحقيق مطلب الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، قامت ضد الفساد والاستبداد، وهدفها استرجاع حقوق الشعب المغتصبة وعلى رأسها حقه في اختيار ومحاسبة من يحكمه، ونحن ندعم هذه المطالب كما يدعمها كل الفضلاء والأحرار بمختلف مشاربهم السياسية والفكرية، ونعتقد أن تحقيقها سيوفر الأجواء الملائمة لحوار وطني حقيقي، تتبلور من خلاله رؤية مشتركة للتعايش في ظل دولة مدنية تُحترم فيها كل التيارات، وتكون فيها الكلمة للشعب الذي يختار ويحاسب بكل حرية ونزاهة، فشرط الحرية والحق في التعبير السياسي والحوار المتحرر من النظرة المصلحية الضيقة كل ذلك كفيل بضمان التعايش تحت سقف واحد، والتجارب الإنسانية شاهدة على هذه الإمكانية في ظل أسباب تنافر أعمق بكثير من التي يمكن أن تكون بيننا وبين اليساريين والعلمانيين، وقد كان العمل التنسيقي في ظل حركة 20 فبراير مناسبة ليكتشف كل منا الآخر بعيدا عن وسائط التخويف والإشاعات والتفريق.

هناك من يعتبركم في العمق ضد شباب 20 فبراير ومطالبهم وأفكارهم التحررية، ما رأيكم في ذلك؟

حركة 20 فبراير تضم شبابا هم عينة من شباب المجتمع المغربي الذي يصطلي بنار اليأس والبطالة والتهميش، شباب سأم كذب وزيف شعارات النظام ومن يلعب في فلكه، فتاق لمغرب جديد يتشرف بالانتماء إليه، مغرب النزاهة والشفافية والحرية والكرامة والديمقراطية الحقيقية، وهذه مبادئ نتفق معها وندعمها ونلتزم بها.

هل تقبلون بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها في المواثيق الدولية بما فيها إلغاء عقوبة الإعدام والمساواة في الإرث…؟

هذه وغيرها قضايا ينبغي أن يتم فتح نقاش وطني واسع بشأنها بمشاركة كل المعنيين والخبراء من مختلف الحقول المعرفية، ثم تتم بلورة تصورات وآليات منسجمة مع المشروع المجتمعي الذي نلتقي عليه. أما الآن فلا ينبغي أن يلهينا شيء عن أمرين جوهريين؛ الأول هو المدافعة من أجل إسقاط الاستبداد وبناء دولة الحرية الكاملة التي ستضمن لنا جميعا جو الحوار وتوفر لنا آليات تدبيره. الأمر الثاني هو الإعلان المتبادل عن ضمانات العيش المشترك وهي: حق الجميع في التعبير عن آرائه واختياراته ومشاريعه، والتزام الجميع بأن الحوار والعمل السلمي هما اللغة الوحيدة في حسم الخلاف، ثم أن يكون السقف الحاضن والضامن لهذه الأجواء هو الإرادة الشعبية الحرة في التأسيس والاختيار.

هل تطالبون بملكية برلمانية؟

نطالب بحرية الشعب في الاختيار دون أن يكون هناك سيف مسلط على رقبته يجبره على قول ما لا يريد، نريد حوارا وطنيا حقيقيا تعطى فيه الكلمة لكل الأطراف السياسية دون إقصاء لتوضح رأيها وموقفها أمام المجتمع، نريد لمن يحكم المغرب أن يساءل ويحاسب، نريد لأموال الشعب أن تصرف في أولويات عيشه الضروري الكريم، نريد أن تعم الشورى والعدل والحرية وأن ترفع القدسية عن الأشخاص مهما كانوا.

هل تعتقدون بإمكانية تحقيق مشروعكم السياسي الإصلاحي عبر دستور جديد؟

الدستور وثيقة أساسية لإقامة دولة مدنية قوامها الديمقراطية والحرية وسمو القانون، لكنه غير كاف لأن تنزيل الدستور يتطلب بيئة سياسية خالية من التحكمات الخفية والتأويلات المناقضة لروح الوثيقة الدستورية، فكم من بنود الدستور الحالي يتم الالتفاف عليها أو إعطاؤها تأويلات تكرس واقع الاستبداد والشمولية، وهذا يستلزم القطع التام مع الأساليب البائدة في التحكم والتدخل لرسم الخريطة السياسية وفق مقاييس ومعايير محددة وتوظيف آليات الإخضاع التي عاشها الحقل السياسي في العقود السالفة.

لو تم استدعاؤكم لتقديم رأيكم حول الدستور، هل ستستجيبون وماذا ستقترحون؟

لكل حادث حديث.

بماذا تفسرون إبعادكم عن مشاورات التعديل الدستوري؟

لسنا وحدنا المبعدين، فهناك العديد من القوى والفضلاء السياسيين الذين يعانون الإقصاء المخزني الآن ودائما، وهذا دليل قاطع على استمرار دار لقمان على حالها، وأن الحكم المستبد ما يزال لا يرى غير نفسه ومن يدور في فلكه، وأن الآلية المعتمدة لوضع الدستور تفتقر للأساس الشعبي الديموقراطي، وذلك ينبئ بسطحية التعديلات والرتوشات التي ستمس بعض فصوله، في حين سيظل عمق الحكم الشمولي سائدا مهيمنا على روح الدستور.

ألا تعتقدون بإمكانية إقامة الخلافة على المنهاج النبوي من داخل إمارة المؤمنين؟

هناك خلط وعدم وضوح في النظر لكثير من المفاهيم التي تخص الرؤية السياسية للجماعة، فالخلافة على منهاج النبوة كما نراها لا يمكن إقامتها في دولة واحدة، بل هي إطار يجمع كل الأقطار الإسلامية، روحه هي القيم والمبادئ التي تعكس النموذج النبوي السامي، وشكله قد يكون اتحادا من الاتحادات الحديثة التي طورتها البشرية عبر قرون. أما إمارة المؤمنين فهو مفهوم إسلامي سامي جدا ارتبط بمعاني العدل والشورى وضمان حق المستضعفين في العيش الكريم وفي التعبير الحر، فلم نسمع أو نقرأ في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه عذب أو أسر مخالفا له في الرأي أو استحوذ على جل ثروة الأمة أو ذرة منها، وعليه فنحن حريصون على عدم التلاعب بهذه المعاني لإضفاء شرعية على أي كان.

أرسلت الدولة إشارات قوية تجاه الإسلاميين، من خلال إطلاق سراح معتقلين وتخفيف الضغط على آخرين؛ هل تعتقدون أن ذلك أمر إيجابي؟

إطلاق سراح المعتقلين المظلومين ليس مبنيا على قناعة لدى الدولة بمظلوميتهم وحقهم المشروع في السراح والحرية، فهي التي اعتقلتهم، وهي التي فبركت الملفات وصنعت الشروط لتلفيق التهم الباطلة وروجت لإدانتهم المزعومة، وكانت ماضية في سياستها التسلطية الظالمة في تعذيب واختطاف ومحاكمة من تريد بما يحقق لها مكاسب سياسوية ضيقة على حساب حقوق وحرية الشعب، فكان الضغط الذي مارسته الثورات العربية إقليميا وحركة 20 فبراير محليا هو الذي دفع الدولة إلى إطلاق سراح الإسلاميين وغيرهم على الطريقة الحسنية خلال التسعينات. ومرة أخرى ستظل الأسئلة العالقة من؟ وكيف؟ ولماذا؟ وستظل معها ثقافة المحاسبة غائبة. إن الدولة الآن تحني رأسها للعاصفة لكي تعود إلى عادتها القديمة في الوقت المناسب، وستفتح ملفات جديدة للاختطافات والتعذيب والاعتقالات، وسنظل نعيد هذه الأسطوانة المقيتة إن لم نضع حدا جذريا وحلا عميقا للتعاملات الأمنية مع الخيارات السياسية. بدون ذلك فالحديث عن “إشارات الدولة الإيجابية” خداع وكذب ومراوغة، قلنا هذا في بداية العشرية السابقة حين كان العديد من السياسيين يتحدثون عن العهد الجديد والمفهوم الجديد للسلطة، الآن لم يعد هناك عهد جديد فقد تلطخت يداه بنفس جرائم سابقه.

عبّر حزب العدالة والتنمية عن مواقف متضامنة معكم مؤخرا، هل يمكن أن نتصوّر تحالفا بينكم؟

من السابق لأوانه الحديث عن أي تحالف مع حزب العدالة والتنمية أو مع غيره.

هل ترون أن الخطوات الإيجابية التي قامت بها الدولة مؤخرا تجاه السلفيين، أمرا موجها ضد الجماعة؟

الدولة تحارب الجماعة بكل الوسائل. لكننا نعتقد أن السلفيين مواطنون من حقهم أن يتمتعوا بحقوقهم الكاملة ما داموا ملتزمين بالتعبير السلمي عن أفكارهم وآرائهم، كما يتعين رفع الظلم الذي لحقهم وجبر الأضرار التي مستهم ومحاسبة من تسبب في ظلمهم.

اتسمت تحركات الجماعة في الفترة الأخيرة، بكثرة العمل في الكواليس، ما الذي تُخفونه؟

“لا للسرية” هذا المبدأ كان ومازال وسيظل يحكم حركتنا، نحن حركة مجتمعية علنية تصدر بلاغاتها وتدلي قيادتها بتصريحات توضح مواقفها من كل الأحداث الهامة، فلماذا سنخفي شيئا؟؟؟؟

هل لديكم اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع جهات داخل الدولة؟

لا توجد اليوم أي اتصالات معنا.

من هو مخاطبكم الأكثر قدرة على التحاور معكم من داخل الدولة؟

ذلك العاقل الذي لا يزايد علينا بسلطة، ولا يفرض علينا رأيا، ولا يبلغنا تعليمات جاهزة، مما يتطلب احترام الحقوق كاملة غير منقوصة.

ما هي شروطكم السياسية والقانونية للتحول إلى حزب سياسي داخل المشهد المغربي؟

أولا الدولة ترفض أن نؤسس حزبا سياسيا، لأنها تعتبر أن الحزب منحة تنعم بها على من تريد في الوقت الذي تريد، ثانيا نحن نعتبر أن الحزب مجرد وسيلة من وسائل الممارسة السياسية، هذه الوسيلة قد لا تكون ضرورية إذا كانت غير ناجعة لتحقيق فعلي وحقيقي للهدف المرصود، فأي حزب لا يملك استقلالية قراره السياسي ولا يمكنه تطبيق برنامجه الانتخابي في حال وصوله إلى الحكم، ولا يجد بيئة سياسية نظيفة لممارسة دوره الكامل في التأطير الحر والفعلي للمواطنين فعدمه خير من وجوده.

هل صحيح أن طريقة الدخول على الملك والسلام عليه هي ما يمنعكم من تطبيع العلاقة مع الدولة؟

هي فعلا طقوس ممجوجة متخلفة مهينة، ولا يكفي إزالتها لينتهي المشكل فهي تعكس روح الاستبداد بالرأي والقرار والثروات والذمم، ومعالجة المشكل مع الدولة يحتاج إلى معالجة الأسباب التي توترها وأولها الاستبداد والحكم الشمولي.

ما موقفكم من الطقوس والعادات المحيطة بشخص الملك، علما أن للشيخ عبد السلام ياسين مكانة وهالة خاصة جدا داخل الجماعة؟

المكانة الخاصة التي يحظى بها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين داخل الجماعة نابعة من محبة قلبية طوعية تلقائية مستحقة لا تلازمها طقوس خاصة ولا ينال بها أحد جاها أو سلطة أو مالا.

علاقة الجماعة بالخارج تثير الكثير من التساؤلات ويحيط بها غموض كبير، لماذا لا توضحون ذلك؟

لسنا لعبة ولا جزءا من أي أجندة خارجية مطلقا، وقد رفعنا مبدأ “لا للتعامل مع الخارج” منذ تأسيس الجماعة، وهو من المبادئ التي لم تزدها الأيام والتجارب إلا رسوخا وثباتا. لكن هذا لا يعني الانغلاق وقطع قنوات التواصل في إطار يحفظ هويتنا وماهيتنا ويمكننا من أن نفهم مواقف الآخر ونشرح له مواقفنا بدون وسائط تشويهية.

للجماعة مشروعها السياسي وتشكل “القومة” إحدى ركائزه، هل يمكن أن تستعينوا بالخارج لتحقيقها كما استعنتم به في قضية معتقلي فاس مؤخرا؟

القومة كما نتصورها ليست حدثا لحظيا مرتبطا بتاريخ معين، إنها مسيرة حركية قد تمتد لسنوات عديدة، وبناء عليه فقومتنا بدأت منذ تأسيس الجماعة عندما قام الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين صحبة ثلة من الرجال المؤسسين بوضع اللبنات الأساس لحركة مجتمعية تهدف إلى تقويض أركان الظلم والاستبداد وإقامة دولة العدل والشورى. وإذا كنت تقصد بالخارج الأنظمة والحكومات فهذا نرفضه في أي قضية سياسية أو الحقوقية أو غيرها، أما تضامن المنظمات المجتمعية والحقوقية معنا فهذا مشترك إنساني لا يستكثره علينا إلا من يعمل بالليل والنهار لخنقنا في صمت.

ما حقيقة اتصالاتكم بالسفارة الأمريكية؟

علاقتنا بالسفارة الأمريكية وغيرها علاقة تواصل وتوضيح للمواقف والتصورات من بعض الأحداث كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

لماذا لا تُعلنون عن تلك الاتصالات وموضوعها للرأي العام الذي يشاهدكم وأنتم تتظاهرون ضد أمريكا في كل مناسبة؟

إذا كان هذا المنطق صحيحا فعلى كل من يتظاهرون ضد الدولة المغربية يوميا ألا يجالسوها ولا يحاوروها. أما اتصالاتنا مع الجميع فهي تتم في العلن وفي أماكن عمومية وننسقها من خلال هواتفنا التي نعرف أنها خاضعة للتنصت، وإذا سألنا أحد عنها فنحن نجيبه كما أجيبك الآن، والحمد لله ليس لدينا ما نخفيه.

ما الذي دار بينك وبين المسؤول في السفارة الأمريكية بالتفصيل، والذي نشرت إحدى الصحف صورتك برفقته؟

كل ما في الأمر أن الجميع يعرف أن الخارجية الأمريكية أصدرت مؤخرا تقريرا حول وضعية حقوق الإنسان، وفي الجزء الخاص بالمغرب ذكرت قضايا حقوقية لجماعة العدل والإحسان، وكان اللقاء حول ملاحظاتنا على هذا الموضوع.

ألم يسبق للسفيرة الأمريكية السابقة أن تدخلت لدى وزير العدل الراحل محمد بوزوبع في قضية نادية ياسين وجريدة “الأسبوعية الجديدة”؟

لا علم لنا بالموضوع، وإن كانت قد فعلت فلسنا من طلب منها ذلك. علما أن متابعة الأستاذة ندية ياسين لم تسقط وما تزال جلسات الملف مستمرة إلى اليوم.