نزلت منذ 20 فبراير الماضي إلى الشوارع والساحات العامة حشود ضخمة من المواطنين المغاربة للمطالبة بالتغيير الجذري الشامل والهتاف ضد الحكم الفاسد الغاشم الجاثم على الصدور. واحتشدت جموع من المغاربة بالمهجر أمام سفارات وقنصليات بلادهم، نصرة لإخوانهم في الداخل وللتعبير عن نفس الرغبة الحارقة. كيف لا يفعلون وما هجروا الوطن إلا لظلم “الوطن”.

وكانت أبلغ الرسائل وأفصحها إلى النظام الحاكم والعالم بأسره أن الشعب المغربي شعب واحد متحد، يرفض العنف، ويستقبح العجلة، وينبذ الانقلاب، وأن لا مستقبل فيه للطائفية والانغلاق، ولا مكان للتطرف والعنصرية والإقصاء. وأن هذا الشعب، الذي قـُهر أزمانا، ماض بعزم ونهج رشيد يُخرس ألسِنة الخرّاصين المنتفعين من موائد السلطان، لانتزاع حقوقه المهضومة، وثرواته المسروقة، وحريته المصادرة. وأنه بالمقابل طرح الخوف، وثار على الخنوع، وشنق الانتظار. هذا الفعل المباغت غير المسبوق في تاريخ المغرب المعاصر شكلا وتنظيما أربك النظام وقيادته الأمنية. فكيف يواجه النظام المخزني حركة 20 فبراير، وكيف سيواجهها على المدى القريب؟

ولئن كان عند الله جلّت قدرتُه وتعالى شأنه عِلمُ ما تحبَل به الأيام القادمة من أحداث ومواقف، فإن طبيعة النظام المغربي ذي “الإمارة” المزعومة والماضي الدموي الكئيب، وغليان الشعوب العربية الزاحفة على أنظمة العار المتداعية، وغلبة الخطاب الحقوقي وتبوئه الصدارة والجدارة في العلاقات والمعاملات إقليميا ودُوليا بضغط من المجتمعات المدنية والهيئات المستقلة عبر العالم، الجارية مروءةً وراء عولمة المتابعة القضائية ضد مجرمي الحرب وسفاكي الدماء، وتسابق الإعلام بمخترعاته الحديثة على كل صغيرة في الأرض فاضحا صناع القرار ورافعا الستار، تحملنا على توقع أساليب المواجهة المخزنية التالية:

– استمرار انسحاب الأمن من الساحات التي تشهد تنظيم الوقفات الاحتجاجية وعدم قمع المتظاهرين ما داموا لمّا يشكلوا أمواجا بشرية عاتية يصعب تفريقها وضبط حركتها، والاكتفاء بمراقبة الوضع عن بُعد لإسقاط الهالة التي تحيط بالحركة، وحمل الناس على الاستئناس بالاحتجاج والاعتقاد بأنه من طبيعة الديمقراطية التي عمل ويعمل على إرساء قواعدها النظام. ومن الأهداف أيضا انتظار حدوث فوضى مدمرة أو عنف لتبرير أي تدخل أمني قوي لاحقا أو إعلان “حالة الطوارئ”.

– استثناء مدينتي الرباط والدار البيضاء من هذا الانسحاب الأمني، والعمل أحيانا -وليس دائما-، حسب المعطيات الميدانية والظروف السياسية، على تفريق أي مظاهرة كيفما كان عنوانها ومصدرها لاسيّما إن كان عدد المشاركين فيها كبيرا. فأما الرباط، فلأنها عاصمة لها ثقل سياسي وإداري كبير، ولأنها رمز ورأس السيادة. وأما الدار البيضاء، فلأنها قلب المغرب النابض على المستوى الاقتصادي. ولسبب آخر لا يقل أهمية عن الأسباب المذكورة هو كونهما يحضنان البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الاقتصادية الدولية العاملة في المغرب. فبقاؤهما هادئتين من شأنه الحفاظ على “هيبة” النظام، واستمرار دعم النظام الدولي الذي لا يعبأ بالكيانات الضعيفة، وطمأنة المستثمرين الذين لا يضعون أموالهم إلا في بيئة مستقرة.

– تفادي وقوع قتلى أو إلحاق أضرار جسدية خطيرة بالمتظاهرين عند فض أحد التجمعات خوفا من إذكاء نار الاحتجاج وتفجير الوضع بحيث يصير غير قابل للاحتواء، ولترسيخ مقولة “الاستثناء” المغربي، وصناعة مظهر الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. وثمة باعث رئيسي كامن في دواخل النفوس هو الخوف من الملاحقة القضائية الشعبية بعد سقوط “الفساد”.

– نشر الرعب سِرِّيا بين العوام من الناس، لاسيما البسطاء منهم وذوو الدخل الضعيف والشباب لأنهم قاطرة أي حركة ميدانية وحطب أي ثورة مشتعلة، بالوسائل المخزنية المعروفة المغرقة في اللؤم والشيطنة، وأعمدتها المقدّمون والشيوخ والمخبرون من كل طيف.

– الانحناء مؤقتا لعاصفة التغيير التي تجتاح العالم العربي بالبحث عن حلول، أي حلول، لكافة المشاكل المرتبطة بالسكان التي لا تقتضي استثمار أموال ضخمة. ومن بينها مشكل تشغيل أصحاب الشهادات العليا لأن هؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه بنزولهم إلى الشوارع، ولأنهم فئة متعلمة مثقفة قادرة على قيادة الجماهير.

– انتظار مرور الوقت لدفع الحركة لليأس والتراجع وكسر عزيمتها. أو إنهاكها لإجبارها على القبول بالفتات ومبادرات المخزن التي لا تمس جوهر الاستبداد.

– تأسيس حركات مناهضة لحركة 20 فبراير، ودعمها بكل الوسائل.

– استغلال المساجد في الدعاية لتوجهات المخزن وحث الأئمة على إلقاء خطب تُسفـِّه الحركة وتخدم الحُكْم.

– رشْوُ زعماء الحركة الأقوياء لإسكاتهم في كل مدينة، لأن الضعفاء منهم قد تنفع إزاءهم أساليب أخرى.

– تخويف المثقفين ورجال الأعمال وطبقة السياسيين من الحركة، ونشر الأباطيل عن أهدافها. والعمل بالموازاة مع ذلك وأثناء ذلك على شراء انضمامهم إلى النظام المخزني أو إبعادهم عن الحركة، بإسناد بعض المناصب لهم، أو تسليمهم شيكات مالية مغرية على طريقة وزير الداخلية الراحل إدريس البصري.

– رفع “فزاعة” الإسلاميين في وجه التنظيمات الحزبية وهيئات المجتمع المدني والمنتظم الدولي، وحملهم على الاعتقاد بأنهم انقلابيون رجعيون لا يؤمنون بالديمقراطية والحرية… ونشر أن جماعة “العدل والإحسان” هي من تقف وراء حركة 20 فبراير وليس كل الشعب المغربي بمختلف تنظيماته السياسية والحقوقية والجمعوية.

– عقد صفقة مع سجناء السلفية يطلق بموجبها سراحهم مقابل مسالمة النظام ومهاجمة الإسلاميين وفي مقدمتهم “العدل والإحسان”. وإفساح المجال لكل إسلامي ينتقد الحركة أو فاضل ذي رأي مخالف لكي يصل صوته إلى أكبر عدد من المواطنين.

– إطلاق العنان لأتباع المخزن من “مثقفين” وساسة وكتبة وناشطين هنا وهناك ليمكروا في التلفزة والراديو والأنترنيت، ضمن هجمة إعلامية منسقة منظمة طويلة النفس، تهدف لتشويه حركة 20 فبراير أو إضعاف مطالبها، فوأدها وتأبيد الاستبداد.

– تقديم “تنازلات” سياسية أخرى لا تعدو أن تكون مثل سابقتها في تغيير الشكل وطلاء الوجه وإبقاء لب المشكل وأصل الداء وهو الاستبداد، عندما يزداد الضغط الشعبي على النظام، واستغلال ذلك إعلاميا بإثارة الشكوك حول أهداف الحركة وإظهارها كحركة مقلدة طائشة غير مسؤولة، وميدانيا بالمنع والتعنيف.

والله غالب على أمره.