لم تمر إلا أربعة أيام على الخطاب الملكي يوم 9 مارس حتى ظهرت بوادر تفعيله بشكل فاق كل التوقعات. فالخطاب الذي اعتبره البعض بالتاريخي جاء ليجسد عهدا حديثا يخرج من رحم العهد الجديد الذي نحن تحت رحمته، فمنذ اعتلاء الملك للعرش في بداية الألفية الثانية سميت فترته بالعهد الجديد تيمنا بقطع الصلة بالنظام السابق (نظام الأب المورَّث). يخرج في كل فترة وحين من هذا العهد أساليب وبواعث تأكد على طبيعة قالبه العمودي لاسيما وأن الأمر يمتد ويصل إلى مسألة الفرد والتفرد. لكن ما الذي يجعل منه قالبا لا تهتز ركائزه ؟ وهل لمسألة تجديد العهد علاقة بغضب حركة “20 فبراير” ؟ إذا رجعنا إلى ماورائيات الخطاب التاريخي نجد أنه مهد لنقيض مضمون نواياه بيوم واحد، فقد خرجت وزارة الداخلية قبل الخطاب بقرار إلى جميع المراكز البوليسية بأن تقمع، بكل الوسائل، كل تجمع وتظاهر كيفما كان، قاصدين بشكل غير مباشر حركة “20 فبراير” التي تأسست بدواعي الظرفية السياسية والإرادة الشعبية المطالبة بضرورة التغيير في كل المستويات. هذا بالإضافة إلى تفخيم حروف الخطاب الإعلامي حين رسم خارطة طريق لنهاية الطريق (أي الأزمة). وجدير بالذكر أن الأمر أعقب بيان جامعة الدول العربية الذي دعا إلى عدم استخدام العنف والأساليب القمعية ضد التظاهرات السلمية، كما أكد البيان على حق التظاهر السلمي وحرية التعبير. من مطالب حركة “20 فبراير” تغيير الدستور، هذا المطلب الأحادي الذي تنبثق منه كل المطالب التالية يمس أحد دعائم المؤسسة الملكية الحامية والمحمية به. فالطبيعة التوافقية للمؤسسة الملكية لا تقوم إلا بدعامتين، الأولى دستورية والأخرى مؤسساتية، الشيء الذي يتيح للملك تقوية نظامه بما يسمى بالحقول الثلاث:

حقل الإمارة

عند تأسيس دولة الأدارسة وعلى اعتبار الدين (الإسلام) دعامة مؤسسية، ترسخت آنذاك مفاهيم كمفهوم الرعية والإمامة والنسب الشريف… فكان لزاما قبول الإمارة بتلقائية والأخذ بآلياتها شكلا ومضمونا. مما أفضى إلى إنزال الشعب إلى منزلة الرعية وتم إقصاء الوسائط بينه وبين الحاكم باعتباره أميرا للمؤمنين والعالِـم الأول، مما خوله مركزية السلطة ووحدتها وكذلك شموليته على الفضاء السياسي بأكمله.

حقل التحكيم

بين مقومات الدستور العرفي يندرج جليا مفهوم السلطان/الرعية. فما كان يعرف بالإمام الحاكم أضحى يستدل عليه منذ القرن 16 عُـرفا بمؤسسة السلطان سيرا على تقاليد الفرقاء والقبائل المغربية. الشيء الذي يوسع من دائرة التحكم لتجعل من الملك حَـكـَما يتمتع بالسلطة التي تخوله طرد كل من لا يحترم قواعد اللعبة. لتناط به وظيفة التحكيم القائمة بوجود القبائل، فلا وجود لحَكـَم إلا بوجود الفِرق.

حقل الملكية الدستورية

استجابة لمتطلبات العصر والولوج في عصرنة الدولة أو الدولة الحديثة فان هذه الأخيرة تحتم ضرورة القمة الهرمية. لكنها وتدعيما لمسألة الإمارة والسلطنة يأتي الملك كرئيس للدولة والشعب كمواطنين في نظام يزعم مسايرة النظم الحديثة، وهو ما يعرف بالدستور الوضعي. هذا الدستور الذي تهب عليه ريح التغيير على فترات متفاوتة أو بالأحرى يدعي الإصلاح الدستوري فإنه في ذات الوقت يرسي دعائم المؤسسة الملكية التي تصنع بيدها دستورا جديدا تصوغه وفقا للصيرورة الزمنية. تستوجب بعد ذلك مسألة التحديث وجود وسائط كأحزاب ونقابات وجمعيات بل حتى “خلق” معارضات… يؤدي هذا إلى ميلاد تقابلات جديدة كالديمقراطية مقابل الشورى والتعددية مقابل الإجماع. تقابلات ووسائط وتفرعات تعطي مزيدا من الصلاحيات للفـرد وتفتح المجال أمام تفويض المركزية السلطوية. ليصبح الملك بكل هذا لا دستوريا أي لا يحُـد الدستور من صلاحياته ولا ينقاد تحت لوائه، وهذا ما يخالف الإرادة الشعبية والقانون الدولي وحتى الطبيعة الإنسانية.

بهذا يمكن للملك أن يتدخل داخل النسق السياسي ويحكم فيه ومن داخله بأي صفه يخولها له الدستور الذي قال عنه الحسن الثاني يوما انه يصنعه بيده. لكن ما هي الأسباب المركزية للملك داخل هذا النسق؟ وما هي آليات التحكيم المركزي؟ من بين الأسباب المركزية أن الملكية تمثل المغاربة وليس اليمين أو اليسار، إضافة إلى أن من يخلق شيئا فإن له الحق في أن يمنحه وباستطاعته أن يمنعه. يمنح الممثلين التزامات وليس سلطات. ولتحكيم المركزية وتفعيلها لا بد بالاستعانة بآليات تجيز للملك تحصين الممارسة أولا، بالمرجعية التاريخية آي لمؤسسة السلطان الشريف، ورجوعا إلى تجربة الحـَكـَم الأسمى بين الكتل والقبائل فان الإطار الوظيفي ينحصر في الجمع بين مقاربات الأولى في الإسلام الشرعي “الفقهي” مع الإسلام الشعبي “الصوفي”، والأخرى بين العرب والبربر. أما ثانيا فإن واقع الممارسة يفرض تعديلات لا مناص من توقع مضمونها المباشر تفرضه الحياة السياسية التي لا يكون للمواطن دخل إلا في الخنوع لتفعيلها. في الخطاب الأخير الذي تلا حدة التظاهرات التي عاشها المغرب أكد الملك تصريحا أنه في تجاوب دائم مع كل مكونات الأمة، وأضاف بأن الإرادة الشعبية هي جوهر الاستفتاء الدستوري. بيد أن المراقبين وجدوا في الأمر غيابا حقيقيا على المستوى الإجرائي، أي في قضية تعيين اللجنة الدستورية من طرف الملك شخصيا بدل تشكيل مجلس تأسيسي لا يقصي الحضور الشعبي الشبابي. لكن الذي أثار حفيظة حركة “20 فبراير” تأكيده على قدسيته كملك وتجاهله لمضامين الفصل 19 من الدستور، معززا بعد ذلك قراراته بسبعة مرتكزات يُنتظر تفعيلها على المدى القريب، وهذا ما يريب حركة “20 فبراير” التي أبت إلا أن تواصل احتجاجاتها السلمية حتى تحقيق المطالب التي ترى أنها حق مشروع وتتقاسم جلها هموم الشارع المغربي. هذه الاحتجاجات قوبلت يوم 13 مارس من طرف القوات المخزنية بترجمة الخطاب والأوامر إلى هراوات واعتقالات خرجت منها الحركة بأضرار كبيرة، والتي لم يسلم منها حتى الصحفيون وساكنة الأحياء. مما أزم الوضع وأربك حسابات المخزن بعدما أبان عن أن عقليته لا تزال قمعية حتى النخاع، وأن الحركة في أبسط تحركاتها أثبتت أنها تواجه في أصعب مراحلها “ثلاثية” تـُقعد الدنيا لتحافظ على دعـائمها تحت غطاءات الحرية والحق في التعبير والكرامة الإنسانية. وفي انتظار ما ستسفر عنه أحداث مسلسل 20 فبراير يظل السؤال مطروحا عن مبادرة الأحزاب في الانخراط الفعلي في عملية التغيير الذي لا سبيل إلى تجاهل رياحه…!! وما الذي يمكن تداركه أو الوصول إليه قبل تطابق سيناريوهات الوضع التونسي والمصري مع المغرب..؟