مع تنامي الصحوة السياسية في الدول العربية من الشرق إلى الغرب، كثر الحديث عن ازدواجية السلطة والثروة وما يرافقها من ظواهر سلبية من قبيل الثراء غير المشروع والفساد الاقتصادي والارتشاء وغير ذلك، وبالمقابل، تتعالى أصوات غالبية السكان، على حد سواء، في كل البلدان العربية، الثائرة منها أو الكامنة، لتشكو من سوء توزيع ثروة الأمة وما يترتب عن ذلك من ضوائق اقتصادية، على رأسها تآكل القدرة الشرائية والبطالة.

مما سبق، نستشف أن المرض الاقتصادي العضال المستشري في جسد الأمة ظاهر ولا يحتاج إلى تحليل مخبري، إنه الجشع الاقتصادي الذي يتمظهر على شكل احتكار مقدرات البلدان، أو في أحسن الأحوال، يأخذ في بعض القطاعات، التي يستثمر فيها الأجانب، شكل المنافسة الاحتكارية.

حري بنا الآن في خضم ما تمر به بعض البلدان العربية، ومنها المغرب، من مخاض سياسي بالأساس، أن لا نغفل عن الحديث عن الديمقراطية الاقتصادية. هذه الأخيرة، على النقيض من أختها السياسية، لا تمر فقط عبر الدسترة أو سن القوانين ولا تتحقق فقط بمحاسبة الحكام والساسة والمتنفذين على ما اقترفوه (حالة مصر نموذجا) ولا تستقيم بإحداث أو توسيع صلاحيات بعض المجالس ذات الظاهر الاقتصادي (حالة المغرب نموذجا)، بل تستوجب الإطاحة بالاستبداد السياسي والتخلص من توأمه الاستبداد الاقتصادي.

تستلزم الديمقراطية الاقتصادية مراجعة المبادئ المؤسسة للعملية الاقتصادية والسياسات والاستراتيجيات المرتبطة بها. ولنا في تجربة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ما يكفي لفهم هذا المطلب الأصيل.

إن مؤسسات، مثل التعاونيات والتعاضديات، تقوم على مبادئ متميزة تكفل المبادرة والنجاح الفردي دون تجاهل الرقي الجماعي. نذكر من هذه المبادئ:

• أولوية الإنسان على رأس المال، وهذا ما يجعل المؤسسات المذكورة لا تعطي الصدارة للربح ولا تعتبر المتعاون أو المساهم عاملا يتوجب استغلاله تحت مسمى الرفع من الانتاجية؛

• الديمقراطية في التسيير، حيث يعتد بكل صوت بدون الاكتراث بحجم المساهمة في المشروع؛

• الباب مفتوح أمام كل من يحترم مبادئ التعاون والتضامن والعمل،

• عدم تقسيم المدخرات وتخصيصها للتكوين والتطوير.

• الاستهلاك الموسمي والمحلي، إن أمكن، مع احترام البيئة وأخلاقيات التجارة العادلة.

ولكن، في الوقت الحالي الذي يهيمن فيه النظام الليبرالي أو الريعي الذي يأخذ من المنافسة الاسم ويجعل من الحكامة الجيدة شعارا براقا، يصعب تحقيق الجمهورية التعاونية التي دعا إليها مفكرون مثل الفرنسي شارل جيد منذ أكثر من قرن، حتى في الدول الرائدة في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. إذا أضفنا إلى هذا الواقع أن تغيير التصورات والسلوكيات في المجال الاقتصادي من النزعة الفردية إلى العمل والاستفادة الجماعيين، يستلزم زمنا ليس بالهين، نخلص إلى أنه يجب، على المدى القريب فتح المجال لسيادة المنافسة الحقيقية – لن نقول الآن النزيهة والكاملة – حتى تتكافأ الفرص للجميع. والمدخل السليم هو نبذ ما نبذه الإسلام من احتكار وغبن وغرر ورشوة، واللائحة تطول في زماننا هذا.