“يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”

جزء من حديث قدسي

كانت وستبقى الفطرة التي خلق الله الناس عليها المحرك الأول للإنسان، وكان وسيظل القلب موجها للفرد ومحددا لاختياراته، ومحضنا عظيما للمشاعر والأحاسيس، ومنارا هاديا للعقل واختياراته والجسد وعنفوانه. وما الإنسان دون الفطرة والمشاعر والقلب؟

وفي الوقت الذي يفترض في الإنسان أن يحافظ على نعمةِ الفطرة السوية التي بها يَستحْسِن الحسن ويَستقْبِح القبيح، والمشاعرِ التي بها يحب ويرحم ويوالي، والقلبِ الذي عليه مدار الأمر وجماع الدين والدنيا، تُنتج دواليب الدول المستبدة والأنظمة الظالمة “آلات” منسوبة إلى البشر و”ماكينات” محسوبة على بني آدم، معدومة الإحساس فاقدة المعنى، تستحل كل شيء حتى القتل والتعذيب والاغتصاب والإذلال، فلا صوت العقل ولا نداء الإنسان يمكن أن بجد له صدى في داخل هذه “الكيانات البشرية”.

لم تكن آهات “بوشتة الشارف” إلا واحدة من آلاف صرخات هذا الشعب المكلوم، ولم تكشف معاناته إلا عن شجرة التعذيب التي لا يجب أن تغطي غابة الاستبداد والطغيان الضاربة في أرض الدولة المغربية أساسِها ورأسِها. ولم تكن دموع “غزلان”، التي بكت بها معاناة هذا الرجل المقهور وحال هذا الوطن الأسير، إلا تعبيرا فطريا عن تلك المشاعر الجياشة والأحاسيس الصادقة التي غمرت كل مغربي حر ومغربية شريفة حين شاهد فيديو الشارف.

حقا، وكما قالت الأخت الفاضلة غزلان، لا يمكن حتى تصور هذا التعذيب الذي تعرض له الشارف وإخوانه، وغيرهم كثير من معتقلي الرأي. هل يعقل أن يقوم بهذا الفعل إنسان من لحم ودم وقلب وعقل؟ ألهذا الشخص القدرة على الأكل والشرب والنوم بعد فعل كهذا تمجه كل الفطر وتدينه كل الشرائع؟ أله زوجة وأبناء ووالدان وعائلة، وله القدرة على أن ينظر في عيونهم ويستشعر معنى الحب لهم والخوف عليم والأمان معهم؟ إن العقل والقلب والخيال ليعجز عن التفكير في الأمر وتصور حياة هذا الجلاد وتلك الماكينة.

إن آهات “الشارف” ودموع “غزلان” تكشف الوجه البشع للدولة، وتفضح كل شعارات الزور والبهتان سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية، وتثبت أن المغاربة محكومون من قبل عصابة تتحكم في مسار البلد ومافيا فوق القانون، وليس من دولة تحترم نفسها ونظام حكم يقود شعبا. وإن دموع “غزلان” وآهات “الشارف” لَتنبع من براءة شعب حر كريم، لم تمح كلُّ خطط تدمير الإنسان واستراتيجيات تخريبِ القيم خَيْرِيَّتَه ومعناه وانحيازه للحق والعدل والكرامة، ولم تتحول كل مظاهر الاختلال والانحراف التي يعيشها، والتي لا تعدو أن تكون في المقام الأول إلا نتاج سياسة رسمية للدولة، إلى منهجِ حياة يحدد المسار وقيمٍ عليا تحسم الخيار.

لو أننا كنا في دولة تحترم نفسها، فعلا لا قولا كما يتردد عندنا، لفُتح تحقيق على الفور في ملف “الشارف” وكل معتقلي ما يسمى “السلفية الجهادية” وكل معتقلي السياسة والرأي، ولكن ما دمنا في المغرب فلا بأس، لن يستقيل الوزير الأول، ولن يتابَع وزيرا العدل والداخلية، ولن يُطرح نقاش جاد عن هته الأجهزة التي تعيث إرهابا في المغاربة وتدمِّر أسرا بأكملها، ولن يساءَل رئيس جهاز المخابرات… ولن ولن، فللمغرب التزامات دولية في محاربة الإرهاب، و”من ليس مع النظام فهو مع الإرهاب”، وفي أحسن الأحوال الحقوقية قد يصدر رأس الدولة عفوا، بعد تخريب حياة أفراد وجماعات، وبعد كل معاناة التعذيب، ودون إعمال المساطر القانونية والقضائية العادلة والنزيهة، ودون أن يلزم أحد الدولة على فتح تحقيق عن هذا الذي جرى ويجري لمَ؟!!

قال الإمام علي كرم الله وجهه:وما من يدٍ إلا ويد الله فوقـها *** وما من ظالمٍ إلا وسيُبلى بأظلمِ
لا تظلمّن إذا ما كنت مقتدرا *** فالظلم مرتعه يفضي إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبـــه *** يدعو عليك وعين الله لم تنـم
واحذر أخيّا من المظلوم دعـوته *** وإن تصبك سهام الليل في الظلم.
كفكف الدمع أيها الوطن واعقد العزم على أن تبني لنفسك كرامة، فالدموع التي تسكبها المغربيات الشريفات والمغاربة الأحرار، والآهات والمعاناة التي يكتوي بلظاها هذا الشعب المقهور المغلوب، ستظل لعنة تطارد الظالمين والمستبدين، تقض مضجعهم في الدنيا وتحاسبهم بين يدي من لا تضيع عنده مظلمة يوم الدين. والموقف الرجولي الذي رسمه “الشارف” حين تحدث عن معاناته، التي تختزل معاناة شعب، والمشاعر الراقية لـ”غزلان”، التي عكست معدنا نفيسا لبنات هذا البلد الحبيب، سيظل منارا هاديا وبوصلة موجهة للمغاربة حتى يؤخذوا زمام المبادرة ويبحثوا عن انعتاقهم وينتزعوا حريتهم ويُرَحِّلوا ظالمهم ويصنعوا مستقبلهم، وما ذلك على الله بعزيز.

ولأن للمظلوم ركنا عزيزا يلوذ إليه، وإلها نصّارا ومعينا يجأر إليه، وربّا يمهل ولا يهمل، ودعوة مجابة لا تُرد، نرفع أيدينا إلى ناصر المستضعفين وقاهر المستبدين بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم (نرفعه بصيغة الجمع)، والذي ردده الحبيب في هجرة الطائف: اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا، إلى من تكلنا، إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علينا غضبك، أو أن ينزل بنا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.)