طلعت شمس يوم الخميس 14 أبريل 2011 على نبإ الإفراج عن عدد من معتقلي الرأي، من المعتقلين السياسيين الخمسة وشكيب الخياري ومجموعة التامك وما يعرف بمعتقلي السلفية الجهادية، وغمرت الفرحة قلوب الأحباب والأصدقاء وعموم المهتمين والمتابعين. وحق لهؤلاء أن يفرحوا وأن نشاركهم فرحتهم خاصة أن مظلوميتهم كانت أوضح من شمس يوم أمس، وبراءتهم مما لفق لهم آكد من أن تحتاج إلى محاكمة أصلا.

عانق المعتقلون المظلومون الحرية ولكن بغصة “العفو الملكي” الشامل الهامل كعادته، المراوغ في توزيع الأعداد المعلن عنها ما بين أكثرية أوشكت على إنهاء محكوميتها يستثمر بعض أشهر منها في الْمَنِّ على الناس بعفوه عنها، وما بين أعداد خفف مدة محكوميتها، وأبقى على الكثير من المظلومين في غيابات السجون لحاجات في نفسه، يمتص بالعفو عن بعضهم في كل مرحلة غضب الشعب، ويزين به وجه الاستبداد الكالح الذي أفسده طول الأمد على الاستبداد. ولهذا السبب أعرب الخمسة المفرج عنهم عن تضامنهم مع كل معتقلي الرأي الذين لا يزالون داخل السجون، وأكدوا مواصلة نضالهم، إلى جانب كافة المنظمات والهيئات الحقوقية، من أجل إطلاق سراحهم.

العفو لا يكون إلا عن جريمة مقترَفة، وهؤلاء ومن خلَّفوا وراء القضبان ممن لم يشملهم “العفو” لم تستطع المحاكمات الصورية الممسرحة أن تقنع أحدا بما نسبته إليهم من جرائم. ولا يمكن بحال أن نعتبر أن قرار العفو قد “رفع مظلمتهم”، كما زعم أحد السياسيين، ما دام أن المسؤول عن جريمة اعتقال هؤلاء بدون وجه حق لم يقدم إلى المحاكمة، ولا ننتظر من نظام مستبد أن يحاكم نفسه.

إننا نتابع نسخة طبق الأصل من المسلسل الذي أخرجه العهد القديم والذي تُوِّج في عهد الملك الراحل بهيئة الإنصاف والمصالحة؛ فوعود العهد القديم بطي صفحة الاعتقال السياسي وسنوات الجمر والرصاص نكثتها العادة التي تعود عليها الاستبداد طويلا، ونسي المظلومون مظالمهم وصفحوا وصالحوا، ولكن الظالم المستبد ما نسي عاداته وإن تناسى.

استفتح العهد الجديد حكمه بما يستفتح به من تفضحه الأيام والأحداث، فما كاد دفء الكرسي يسري في أوصاله حتى ضخ في السجون آلاف الأبرياء إبان أحداث 16 ماي 2003، واستثمر أحداثا، تطرح عليها علامات استفهام كثيرة، في سن قوانين لتشديد سطوته على الشعب وخنق حريته وشل إرادته وتكميم فمه، وألحق بهذه الآلاف ما عرف بـ”خلية بلعيرج”، وألحق بهؤلاء قياديي جماعة العدل والإحسان السبعة في فاس بإخراج هوليودي السيناريو، دون أن ننسى اعتقال النساء والرضع وتشميع البيوت ولائحة لا نهاية لها من “مكرمات” على مدى أحد عشر عاما من عمر العهد الجديد.

واليوم، وقد استفاق الشعب وتأكد من أن حقه يُنتزع انتزاعا ولا يُمنح هبة ومكرمة، وفي سياق حركة 20 فبراير التي اضطر معها النظام إلى مراجعة أوراقه من جديد ولكن للالتفاف على مطالب هذا الشعب، تحتاج قوى التغيير أن تكون أكثر يقظة في مواجهة من تعودوا على الكذب، وتربوا على الاحتيال، ونشأ ناشئهم على عادات الآباء السيئة.