ثالثا: العلماء العاملون وثمن المواجهة

1- صنفان

صنفان من الناس يفسُد حال الأمة بفسادهما ولا يصلح حال المسلمين إلا بصلاحهما؛ صنف الأمراء وصنف العلماء. رجال الدعوة ورجال الدولة، وهما المشار إليهما في الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء” 1 ، بمعنى أن الناس يقتدون بعلمائهم وحكامهم، فإذا كانت دورة القدر موافقة للتصالح بينهما والتكامل والتعاون على دستور الأمة الخالد المقدس، وليس سوى القرآن الكريم، فذاك قمة الصلاح، وإن دارت الدائرة و تعطل الدستور واستأسد الحكام على العلماء واستُضعفت الأمة واضطُهدت الدعوة وبالتالي فسدت الأمة، فالقدوة العلماء العاملون أهل الإيمان والقرآن الذين لا يخشون في أمر الله كيد السلطان.

كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم… الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا) 2 . سبحان الله! استقامة الأمة من استقامة ولاة أمورها وانحرافها من انحرافهم، وإذا رتع الإمام في المحضور والمحذور رتعوا. وإذا تعفف تعففوا.

حُقَّ لنا أن نتساءل عن سبب هلاك الأمة وذيليتها اليوم بين الأمم وهي ترتع وتتبع كما يرتع السلطان ويتبع، أمة المليار مسلم وزيادة تتفرج على سلب المسجد الأقصى وتقتيل أهله من طرف عصابات بني صهيون الحاقدة، والعالم بين مندد وبين متفرج وبين متألم وبين متشف.

واجب على العلماء والدعاة ومن هم في طليعة هذه الأمة ألا يكونوا مطية لأحدٍ من الحكام ولا ألعوبة شطرنجٍ أو عنصر موازنةٍ في يد أي طرف، بل واجب عليهم أن يتبعوا منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قول الحق وفعل الخير والصبر على الأذى حتى يعطوا المثال من أنفسهم ليكونوا قدوة للمسلمين. مِن الذين يُبلغُون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله هم السادة والقادة وغيرهم تبع.

لقد ضاعت الأمة بالسيف حينا وبالسكوت حينا، أوبهما معا، فلا السيف ضمِن للأمة السيادة ولا السكوت حافظ لها على العزة. ديدان القُرَّاء ووعاظ السلاطين الذين باعوا الدين بالتين قومٌ لا رجولة إيمانية لهم، يغنون أناشيد المجد عند أقدام الظالمين، يبررون شنيع فعالهم وينفخون في زبد أفعالهم. وعظُهم قسوة على المستضعفين وتزلف وخنوع عند الحاكمين… فرسانا -بعضهم- في المنابر وقططا أليفة في حِجْر الطغاة الظالمين.

هؤلاء ليسوا قدوة لأحدٍ من المسلمين. إنما قدوتنا العاملون المجاهدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر الذين يصدعون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم…

كتب الملك العباسي المنصور إلى الإمام جعفر الصادق رحمه الله: لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟) فأجابه: ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوه منك، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها)، فكتب المنصور: تصحبنا لتنصحنا!) فأجابه: من يطلب الدنيا لا ينصحك ومن يطلب الآخرة لا يصحبك).

كان علماؤنا الأكابر يرون مخالطة السلطان مذمة نظرا لعلمهم بأحوال الملوك وأهوائهم وفعالهم الشنيعة. كانوا من الفطنة والكياسة من حيث أدركوا أن السلطان لا يريدهم إلا لتبرير وراثته للحكم وانفراده بالأمر وستر مصائبه وضمان عدم تحريض المسلمين على عصيانه. أما اليوم فلا أدري ماذا يقول علماء القصور الذين يُحابون السلاطين بما يُسخط الله؟ فتراهم لا ينهون عن فحشاء الخمر والميسر والربا والدعارة والرشوة وشهادة الزور والظلم في المحاكم… ناهيك عن المنكر الأكبر؛ الحكم بغير ما أنزل الله. وقد قرع الله أسماع من يريد الدنيا بدينه في قوله تعالى: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، علماء الدنيا يطلبون الدنيا بالآخرة، وعلماء الآخرة يستعملون الدنيا وما فيها لنيل رضا الله ورجاء القرب منه سبحانه. عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجلسوا مع كل عالم إلا مع عالم يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين ومن العداوة إلى النصيحة ومن الكِبْر إلى التواضع ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الرهبة.) 3 شرطُ الإمام ذَكَرٌ مكلّف *** آت بالأركان وحُكْما يَعرف
وغيرُ ذي فِسق ولحن واقْتِدا *** في جُمْعة حرٌّ مُقيم عُدِّدا
في تاريخ المُلك، بنوعيه العاض والجبري انقسم العلماء إلى عالم دائر في فلك السلطان، وعالم معارض يحرس الشريعة في سرية ويكتم معارضته، التزاما بأحاديث خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفاظا –في نظره- على وحدة الأمة وشوكة الإسلام ضد العدو الخارجي، وعالِم ثالث عرف أن الساكت على الحق شيطان أخرس، فأعلن رفضه للاستبداد ودفع الثمن غاليا، وأعلن العصيان التام للملك الفاسد امتثالا لقول الله تعالى: ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

تَمثل هذا الصنف الأخير خصوصا في قومات آل البيت عليهم السلام بتأييد من أئمة المذاهب الكبار كالإمام مالك وأبي حنيفة رحمهم الله جميعا، كما تمثل فيما بعد في مواقف علماء أجلاء لم تمنعهم وحشية الاستبداد في عهد المُلك الجبري من الجهر بكلمة الحق والانبراء لتربية أجيال على خصال الإيمان وشُعَبه.أيُّها العــــالمُ إيَّاك الزَّللْ *** واحْذرِ الهَفْوةَ فالخَطْبُ جَللْ
هفْوةُ العـــالمِ مُسْتَعْظَمةٌ *** إنْ هَفَا أصبح في الخَلْق مثَلْ
إن تكن عندك مستحقــرةً *** فَهْي عـند اللهِ والنَّاسِ جَبَلْ
أنت مِلْحُ الأرضِ ما يصلحهُ *** إن بَـدَا فـيه فسـادٌ وخَلَلْ؟

2- قول الحق والصبر على المصيبة

قال الله تعالى: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ، فرض مكتوب وميثاق موثق على العلماء أن يؤدوا واجبهم في حمل رسالة الله وأن يبذلوا في سبيل ذلك النفس والنفيس، الغالي والرخيص، وكل غال رخيص في سبيل إقامة الدين دعوة ودولة، تربية وحضارة، أخلاقا وعلوما… وفي سبيل تلك الجبال من المهمات يهيئ الله تعالى رجالا ونساء عدتهم الصبر واليقين، وإرادتهم الاقتحام والتشمير، وحاديهم واصبر على ما أصابك فإنه لا بد مُصيبك ما أصاب مَن سبقك في طريق الهداية ودين الحق… يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: لكي يقول العالم المبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته، ولكي يبذر بذرته في النفوس ويغرس غرسته في الأجيال يلزمه أن يصمد في وجه التيارات المعاكسة، وأن يغشى مجالس الناس، ومحافل السياسة، وأسواق الإعلام، ومناشط التعليم، ومرافق الحياة الاجتماعية، ومناطق نفوذ الفيلسوف الملحد، ومقاصف اللاهي الغافل. يغشى، ويصمد، ويصبر، ويخالط الناس ويصبر على أذاهم) 4 .

لا يصح أن يكونوا خُداما لأشخاصٍ يتمتعون بمقام اجتماعي متميز، يجارونهم في أهوائهم، يمدحون ويتزلفون، ويبررون الباطل ويسكتون عن الحق. قال الإمام الشعراني في الميزان: الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة)، أسرى لحكم الله في خلقه يجهرون بذلك ويُسِرُّون، يُذكِّرون به ويحرضون، يؤلفون به ويشيدون، يعملون به ويُعلمون…

طالع أيضا  رسالة العلماء في الإسلام بين الواجب والواقع 4/4

حقيق على العلماء ألا يحيدوا عن الحق، حقيق، علي ألا أقول على الله إلا الحق، وألا يخشوا سطوة الغالب من الناس مهما طغى وتجبر. قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فقد تُوُدِّع منها” 5 ، وسئل سيدنا حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.

‏ ‏وها قد وصلتنا اليوم تلك السنوات التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُبعد فيها أهل العلم والصلاح والإصلاح ويتنمر أبناء الدنيا علماء اللسان. عن ‏سيدنا ‏أبي هريرة رضي الله عنه‏ ‏قال: قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: “‏سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق ويُؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين ويَنطق فيها الرُّوَيْبِضَة، قيل وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة” 6 . يتحدث في الأمور الهامشية والجزئية وأحيانا التافهة، ليُموِّه على الناس ويستغفل عقولهم وليقال إنه يقوم بواجبه، والواقع أنه يخون الأمانة ويعطل الرسالة. وكل عالم تخلى أو انحرف عن واجبه النبوي في التربية والتبيين والتعليم فهو رُويبضة، ومن لم يقم بما كلفه الله به فهو تافه.

ذكر ابن القيم قال: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : أن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى. والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: “فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب” وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.) 7

3- الأمر بالمعروف معيار

قال الله تعالى: لُعِنَ الذين كفروا مِن بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلون لبئس ما كانوا يفعلون، حيث جعل سبحانه أبأس الفعل هو عدم النهي عن المنكر، ومثاله تواطؤ بني إسرائيل على المعصية والظلم والاعتداء وعدم إنكارهم على بعضهم البعض، حتى عمت الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فلم يعد منهم من ينكر الحرام أو يجل الحلال، يرفض الظلم أو يلزم بالعدل.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة -درس من التاريخ- (1)

ومن معاني الآية الكريمة ما يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنه من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض على لسان داود وعيسى بن مريم {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم” 8 .

الحديث صريح في النهي عن مجالسة ومواكلة ومشاربة العصاة الطغاة الذين يجهرون بالمعاصي ويؤذون بها الناس (عصوا وكانوا يعتدون)، وصريح في الأمر بإلزام المعتدين الظالمين على الركون إلى الحق، وإلا فغير ذلك لا يورث سوى ضرب قلوب الناس بعضهم ببعض واللعنة، والعياذ بالله. قال صلى الله عليه وسلم: “مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدْعوا فلا يُستجاب لكم” 9 . وفي رواية “والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم” 10 ، والأحاديث كثيرة في ذم تعطيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل تلك الفريضة هي ميزة هذه الأمة ومناط خيريتها كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.بالملح نصلح ما نخشى تغيره *** فكيف بالملح إن حلت به الغير


[1] أخرجه أبو نعيم في الحلية، وأورده ابن عبد البر في الاستذكار.\
[2] طبقات ابن سعد، 3/292.\
[3] حلية الأولياء ج 8، ص72.\
[4] الرسالة العلمية، مطبوعات الهلال، وجدة، الطبعة الأولى 2001 ، ص 40.\
[5] رواه الحاكم.\
[6] رواه أحمد في مسنده ج 2، ص 291، و في تفسير كلمة الرويبضة “الرجل التافه يتكلم في أمر العامة، والرويبضة تصغير الرابضة وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة، والتافه: الحقير الخسيس» (بحار الأنوار، ج 6، ص 310).\
[7] ابن القيم في كتابه الكلم الطيب والعمل الصالح.\
[8] رجاله رجال الصحيح.\
[9] رواه ابن ماجة وحسنه الألباني.\
[10] رواه الترمذي وحسنه الألباني.\