قلما يعطى الاهتمام الكامل لأناس ساهموا في تثبيت قواعد أنظمة جبرية قهرية وبناء صروحها المتهالكة والحفاظ عليها من التردي والسقوط وإن كانت في الأصل غير شرعية من حيث اختيارات الشعوب لحكامها، لذلك لم تسعفنا الدراسات العلمية الموضوعية والنفسية خاصة عن الكشف عن حقيقة هؤلاء ومعرفة طباعهم وطرق تفكيرهم ودقائق سلوكهم…

والأمر في غاية الأهمية لما امتلكه هؤلاء من سبل التسيير والتسييس وبراعة التسلط واختيار سبل الإخضاع وابتكار طرق القهر، فضلا عن اتخاذ القرارات المصيرية للدولة ككل خاصة إذا أسلس لهم الحاكم قياد التحكم في المجريات الواقعية للأمة كلها سياسة واقتصادا وإعلاما وتربية وتعليما…

نعم، إن هؤلاء الناس الذين لبسوا رداء الدولة واعتقدوا أفضليتهم عن غيرهم وطبعت اجتهاداتهم بطابع التقديس والإلزام تحركوا بخلاف إرادة الأمة وساهموا في تثبيت حكم الفرد المتسلط، ولم يتوانوا في إحداث شروخ في هيكل الأمة ومقدراتها بإذهاب طاقاتها الإبداعية في مجالات نهضتها بسبب القمع وخنق الحريات وجعل الناس أسارى عبيدا لحاكم لم يستطيعوا الانعتاق من سطوته وجبروته بحجابه هؤلاء وسدنته…

والمتصفح لأوراق الزمن الغابر يلفي هؤلاء الحجاب قائمين على سوم الأمة ظلما وعسفا وقهرا وضيما ونوائب عظيمة ومصائب عديدة ليؤثروا في التاريخ ويحدثوا فيه شروخا عصية عن الالتئام ورتق فتقها، بسبب شنيع ما فعلوه وقبيح ما اجتلبوه على خير أمة أخرجت للناس…

لذلك نرى لزاما البحث عن ماهيتهم النفسية والسلوكية لئلا تتكرر هذه الظاهرة في غد الحرية السياسية الحقيقية.

إن ما يطالعنا في بعض نماذج هؤلاء أن شخصياتهم غير سوية من الناحية النفسية إذ غالبيتهم تربت بمعزل عن حاضن تربوي طبيعي أشرف على توجيههم وإرشادهم فضلا عن حضور قوي للفقر وسيحان في البوادي وتسكع في الطرقات وعب من حمأة الشهوات الآسنة… كأن تجد منهم من ذاق صنوف الحرمان المادي والعاطفي أو صُفع بسياط الازدراء والتحقير بسبب نسبه أو غميزة لاحقته طيلة طفولته وشبابه… فكانت تلك المؤثرات عاملا حقيقيا لزخم الحقد الذي تولد عند هؤلاء على الناس، ليصبحوا من بعد مجتهدين أكفاء في تنزل القهر على كل من رنا لغد الحرية والانعتاق من العلماء والفضلاء وعقلاء الأمة، عابدين للحاكم ومسبحين بحمده غير آبهين بالأنفس والأعراض والأرزاق لاسيما من توجسوا منهم خيفة…

خذ زياد بن أبيه والي العراق ليزيد بن معاوية مثلا، فالذي اشتهر عنه القتل وذبح مخالفيه لاسيما الحسين بن علي رضي الله عنه… هذا الحاجب للسلطان عند التحقيق قد حرم حنان الأبوين، وعانى من عقدة النسب، إذ المعروف عنه انعدام نسبه ومن ثم انعدام من يربيه ويرشده ويقومه، فعاش الفتى تائها في مسارب الضعة والاحتقار والارتماء بين أحضان الرذائل والمجون، لذلك حين ألبسوه رداء الدولة وانتفش متسلطا جازى المجتمع بما كان يكتنزه عليه من إحن وضغائن وأحقاد وجابهه بما في نفسه من استمراء الرذائل قتلا واستئصالا…

ثم تأمل الحجاج بن يوسف الثقافي الذي ذاع صيته في البطش وملء العراق أكفانا وجثثا وأشلاء من خيرة التابعين وعلمائهم المربين، فإن المتأمل في سيرته الأولى يلفيه منتقص الاسم عند الناس، إذا كان اسمه المعروف به في صغره وشبابه هو (كليب) فضلا عن نظر الناس له أنه مجرد معلم صبيان فقط، ومن ثم لم يكن راضيا عن عمله الشريف هذا ليتوجه صوب الشام ويلتحق بالشرطة ويبدي صرامة وحماسا وانضباطا… فقربه (روح بن زنباع) قائد الشرطة آنذاك، ورفع مكانته، ورقاه فوق أصحابه، فأخذهم بالشدة، وعاقبهم لأدنى خلل، وسير أمورهم بالطاعة المطلقة لمسؤوليه.

نعم رأى فيه روح بن زنباع العزيمة والقوة الماضية، فقدمه إلى عبد الملك بن مروان، وبمجرد تعيينه، أسرف في عقوبة المخالفين، وضبط أمور الشرطة، فما عاد منهم تراخ، ولا لهو، إلا جماعة روح بن زنباع، فـجاءهم يوماً على رؤوسهم وهم يأكلون، فأمر بهم، فحبسوا، وأحرقت سرادقهم. فشكاه روح بن زنباع إلى الملك، فدعا الحجاج وسأله عما حمله على فعله هذا، فقال: إنما أنت من فعل يا أمير المؤمنين، فأنا يدك وسوطك).

ومن بعدها عاث الرجل في البلدان فسادا وترويعا وإرهابا للمسلمين وغيرهم دون استثناء مما يشي بفقدان نفسية المقهور الذليل توازها حين ينفخ فيها زمهرير التطاول والتكبر والتعالي على الناس.

وفي دولتنا القطرية هذه نجد نفسية المقهور ساهمت كذلك في التخلف وتوطيد دعائم النظام المخزني، إذ لم يكن عبثا إطلاق القصر يد رجل في تسيير دواليب التسلط زمنا طويلا ويفسح المجال له رحبا ليستولي على الثروة والسلطة في آن واحد، حتى إن اسم (البصري) كان رديف الحسن الثاني، ومن خالفه في أمر فكأنما خالف سيده ومولاه…

فالرجل المجتهد في قتل مئات الأبرياء من أهل البيضاء (637) شهيدا وآلاف الجرحى (5000) حين خرجت البيضاء ثائرة على التجويع المخزني يوم 20 يونيو 1980… وإن كان جل الذين لقوا حتفهم رميا بالرصاص إنما هم أطفال صغار، في حين أن الأغلبية المطلقة من المعتقلين كانت تقل أعمارهم عن 18 سنة، حسب صحيفة «ماروك سوار» الرسمية… نعم كانت الجثث تجمع من الشوارع وتنتزع من الأسر لكي لا تعاود رؤيتها، وكان المصابون برصاص الجيش والدرك والشرطة «محتجزين» في غرف خاصة بالمستشفيات حتى تختفي آثار المجزرة، والعمليات الجراحية لا تتم إلا بحضور رجال الأمن، ووحدات الجيش متمركزة أمام مستودع الأموات المركزي ومستودع ابن رشد لطمس معالم ما حصل من قتل المدنيين الأبرياء، وكانت مهمة (المقدمين) و(الشيوخ) ترهيب أسر الضحايا وحثها على عدم القول بمقتل أبنائها.

فالحاجب (الشريف بوسام المخزن) الذي شهدت ردهات وسراديب الاستنطاق المرعبة فنون تعذيبه للمعتقلين السياسيين في درب (مولاي الشريف) وغيرها من المعتقلات السرية…. لم يكن حقيقة سوى إنسان مقهور بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حتى إذا امتلأت نفسيته وضاعة وإذلالا خرج من جبته حاجبا سلطويا قاهرا للمغاربة ومنفذا توجيهات القمع ومجتهدا نحريرا في إزالة الخصوم.

(يقول أحد أساتذته، إن إدريس البصري كان من وسط فقير، وهذا كان باديا على مظهره وهندامه، ولم ينعم بطفولة سعيدة، إذ عانى كثيرا من قساوة تعامل أبيه معه، إلى درجة أنه كان يفضل قضاء أغلب أوقاته خارج المنزل.

التحق بالإدارة العامة للأمن الوطني في بداية الاستقلال في عهد رئاسة (محمد الغزاوي)، وعُين مفتش شرطة ثم سرعان ما ترقى لرتبة ضابط قبل أن يتسلق مرتبة عميد شرطة ممتاز.

ومنذ تعيينه في فجر سبعينات القرن الماضي اضطلع بمسؤوليات متفاوتة الأهمية، منها رئاسته للاستعلامات العامة بالأمن الإقليمي بالرباط، ثم مديرا رئيسا للاستعلامات العامة بالإدارة العامة للأمن الوطني قبل أن يترقى منصب رئاسة الكتابة الخاصة ومصالح التراب الوطني بالإدارة العامة للأمن الوطني. فعينه الملك الراحل الحسن الثاني مديرا للشؤون العامة والولاة بوزارة الداخلية ومسؤولا على إدارة التراب الوطني.

ومن النعوت التي وصف بها على امتداد مشواره، “الصدر الأعظم” بفعل آليات صنع القرار في عهد الملك الحسن الثاني، وظل ينعت بـ “المناضل المخزني” والشرطي الأول في المملكة، العالم “بالشاذة والفادة” وبما يجري ويدور من طنجة إلى الكويرة….)

لكنه لُفظ من قبل المخزن الجديد وأزيح من على الستار، وفتح المجال رحبا لحاجب سلطوي آخر متوافق مع هوى السيد القادم.

نعم على طريق (سطات ابن جرير) اختير لهذا العهد المخزني كذلك رجل عاش فقرا وحرمانا في بعض الأحياء الفقيرة بدائرة الرحامنة… تلك الدائرة الغارقة في الجوع والخصاص والفقر و(التهميش).

ولم يكن سر تصدره منصب الحاجب التاريخي للسلطان سوى دراسته في المعهد المولوي وصداقته للملك، ليكمل دراسته الجامعية بإحرازه الإجازة في الحقوق بالرباط، ويمضي مباشرة فترة تدريب بوزارة الداخلية من سنة 1986 إلى 1990م.

لم يكن عندنا من إشكال في فهم الذي جرى، فبمجرد ما أن يثق الملك فيمن يدعم نظامه ويقويه تَنفتح أمام الحاجب المعين دهاليز السلطة ومعرفة خبايا الدولة وانكشاف أسرارها كلها بين يديه… ليعاقب الأبرياء ويزج بهم في غياهب السجون والمعتقلات، أو أن يُرمى هو في معمعان التدافع السياسي ليكُون رداء الدولة، ويكَوِن حزب الدولة وينظر إليه أنه الدولة ذاتها…

لكن الصفة الكبرى من كل ذلك التي يجب أن يتسم بها الحاجب المعين عموما إنما هي الخضوع التام للحاكم وإخضاع الناس له، طاعة مطلقة للسيد من جهة وفرض الإجبار على الأمة كلها من جهة ثانية. وهذا الأمر من جهتنا لا يتأتى لمن تشرب قلبه قيما ومبادئ وفضائل اقتنع بها وناضل من أجلها بل لابد أن يكون غير سوي على الإطلاق… ضاربا الأمد في القسوة والتعذيب والظلم والنهب واختلاق الأكاذيب وتسميم الأجواء الفكرية والثقافية وإحداث الشروخ في منظومات الرقي ومقدرات الأمة كما أسلفنا… أمثال هؤلاء منذ الزمن الغابر قهروا الشعوب بإمرة أسيادهم الذين استولوا على السلطة زورا وقهرا وجبرا واضطرارا ولن يمحوا من المشهد السياسي ككل إلا باسترجاع الأمة كرامتها وسيادتها لتختار من يحكمها وتراقبه وتحاسبه وتنعتق من أسر هؤلاء الحجاب المقهورين القاهرين للشعوب المستضعفة قرونا طوالا وأحقابا متتالية… وهذا ما نأمله ونتمناه ولعل بوادر النور بدأت بالسطوع والظهور بحلول ربيع عربي ينقشع به ظلام سياسي قاتم أقامه استبداد عربي مظلم.