لم يعد سرا أن ما يعيشه المغرب من أحداث متسارعة وحراك مجتمعي غير مسبوق سوف ينحو به -لا محالة- نحو تغيير حقيقي ومرحلة جديدة لن تكون في كل الأحوال أسوأ من سابقاتها، وبالتالي لم يعد الاختلاف حول مدى إمكانيات حصول التغيير بقدر ما أصبحت الآراء تتضارب فقط حول طرق وكيفيات هذا التغيير أو مآلاته وما سيتمخض عنه بعد فترة قد تطول أو تقصر.

يأتي التسليم بهذه الفكرة كذلك بعدما أصبحنا نعيشه من أحداث على المستوى الإقليمي تنبئ بتحول عميق يفضي إلى تشكيلات سياسية جديدة ستلقي بظلالها على العلاقات الدولية مما يحيلنا إلى منعطف تاريخي مهم.

ورغم أن التجربة المغربية جاءت مسبوقة بمجموعة من التجارب العربية المختلفة، والتي تتوخى تحقيق نفس الأهداف من خلال النشدان المشروع للحرية بعد سنوات من القهر والاستبداد، إلا أنه يبقى من المجحف الحديث عن محاولة استنساخ نموذج جاهز من هذه التجارب وإسقاطه على هذا البلد، لأن نفينا لنظرية الاستثناء الموءودة لا يغنينا عن الحديث عن خصوصية كل موقع على حدة.

بناء عليه، هناك مجموعة من العوامل المرتبطة بطبيعة المنظومة المجتمعية والشعبية في المغرب يمكن أن تشي ببعض ما ستؤول إليه الحركة التغييرية.

أول هذه المعطيات على المستوى السياسي يتعلق بالفعاليات الداعمة لهذه الحركة الشعبية والتي عبرت في أكثر من مرة عن رفضها للعنف بشتى أشكاله. والحقيقة أن هذه الميزة أكسبت الحركة قوة في غير عنف، جعلتها ترغم السلطة على مراجعة خيار المواجهة المباشرة مع الشعب رغم محاولات الجهات المتطرفة داخل المربع الحاكم جر الحركة إلى هذا الصراع، من خلال افتعال أحداث الشغب في مجموعة من المناطق أو من خلال الترويج لأكذوبة السيطرة الإسلامية “الراديكالية” في شخص جماعة العدل والإحسان. هذه الأخيرة التي فوتت الفرصة على هذا المخطط الفاشل، بل وأثبتت -على العكس وبشهادة الجميع- أن حضورها في هذه المحطات شيء لا يمكن الاستغناء عنه نظرا لما تتميز به من قدرة على الاستمرار في مبدأ اللاعنف إلى أقصى الحدود حتى وان تعرضت لأعتى الاستفزازات.

وعلى المستوى السياسي دائما، ولكن هذه المرة بالنسبة إلى الطرف الآخر الممثل لـ”قوى ممانعة التغيير”، تميزت التنظيمات الحزبية -وعلى خلاف باقي الدول- باصطفاف شبه كامل إلى جانب السلطة الحاكمة، وتحامل كبير على مكونات الحركة في تواطؤ مكشوف مع الإعلام الرسمي وشبه الرسمي رغم إبدائها الاقتناع بضرورة الإصلاح في محاولة للركوب على الحركة واحتواء مطالبها.

وإذا كان اتخاذ هذا الموقف من طرف بعض التنظيمات المخزنية أو التي تبين نفاقها يبدو مبررا بالنظر للامتيازات التي تستفيد منها في ظل الأوضاع الفاسدة أو ربما للتوجس الذي يصيبها مما يمكن أن يسفر عنه التغيير الجذري من ملفات تثبت تورطها في قضايا الفساد، فإن البعض الآخر ممن يشتم فيه بضع رائحة من المروءة لا يمكن عزو مواقفهم إلا إلى التخوف من فقدانهم الشعبية وتسليم المبادرة إلى قوى اختارت الاصطفاف إلى جانب الشعب والالتحام بتطلعاته. ولعل هذا هو ما يفسر نزوح العديد منهم إلى محاولة البرهنة على كونهم السباقين إلى رفع مطالب الحركة من خلال النبش في الأرشيفات والبحث المضني عن أي تصريح أو تلميح يمت بصلة لهذه المطالب.

أما على المستوى الشعبي، ورغم أن الأوضاع المعيشية والحقوقية في المغرب لا تختلف كثيرا عن باقي الدول المجاورة، فإن التجاوب الشعبي -ومع حضوره في اهتمامات كافة الطبقات الاجتماعية- قد اتسم بنوع من الاتزان في الفعل الحركي بشكل يعكس اختلافا على مستوى الإرادات وليس المنطلقات حيث يطغى عليه دائما منطق التخوف من المجهول الذي يعقب التغيير، الشيء الذي ربما يجعلنا ننعت هذا التحرك بالقوة الاحتجاجية الهادئة والمؤثرة في نفس الوقت. .

بناء على كل ما سبق، يبدو أن عامل الزمن سيلعب دورا مهما في التجربة المغربية، حيث لا يمكن أن نتصور بأي حال من الأحوال أنها ستكون على شاكلة الحركة المصرية أو التونسية اللتين فاجأتا الجميع بالمدة القصيرة التي حسمت فيها المعركة، كما لا يمكن تصور أن موجة العنف والرد المضاد التي عرفتها دول أخرى على رأسها ليبيا يمكن أن تصل إلى المغرب.

إلا أن التجارب السابقة علمتنا كذلك أن عوامل مفاجئة قد يكون لها التأثير الكبير في رسم معالم جديدة ومسارات لم تكن في الحسبان.