في مقتبل العمر هي تلك الفتاة الشريفة، إيمان العبيدي، التي ذاع صيتها و انتشرت مقاومتها كالنار في هشيم حكم بائد يقوده مهووس خارج التصنيف. ولعل كل من تابع مشاهد الكرامة والعزة لهذه المحامية المزدادة سنة 1988 على القنوات الدولية وهي تصرخ في وجه بيادق القدافي إلا ويغمره الأمل بأنه لا يزال في الأمة من بهم تسترجع عزها وكرامتها من بين أنياب الظلمة المستبدين.

في الحقيقة لا تعنينا تفاصيل الحدث فحسب، بقدر ما تعنينا كذلك دلالات الحدث في الزمان والمكان والموقف و تداعياتها الإيجابية على ضمير الأمة وإرادتها.

دلالة الشخص

ما دامت كتائب القدافي استطاعت الوصول إلى شخصية كهذه، يطرح السؤال العريض: كيف سيكون حال النساء البسيطات المغلوبات على أمرهن مع سطوة وجبروت أمثال هذه الوحوش الكاسرة المنتشرة في ربوع ليبيا عمر المختار.

تنحدر إيمان من مدينة طبرق بشرق ليبيا، وكانت تعيش مع شقيقتها في طرابلس وكانت تزاول مهنة المحاماة، إلا أن مكانتها الاجتماعية وشخصيتها المعنوية لم تشفع لها أمام سطوة مرتزقة مفترسين لا يميزون بين ضحاياهم لسبب واحد، فهم المخول الوحيد للأمر والنهي والقتل والسلب باسم الزعيم وعلى ذمته و باسم الثورة والسيادة المزعومة.

حسب ما تبين، إن صيد الوحوش لم يكن ثمينا كفاية هذه المرة، وقد أثبتت الحقائق أن الكمائن المنصوبة من قبل مليشيات الزعيم انقلبت ضدهم من حيث لا يدرون، ولم تفلح أيادي البطش والجباه العبوسة والوجوه المكفهرة لحراس الفساد من إسكات صوت امرأة تعود ضميرها على الدفاع ضد مظالم الناس، فكيف ينثني هذا الضمير ويخون صاحبه في لحظة مظلمة بامتياز، ورغم طرد زبانية القذافي للصحفيين من الفندق وتعنيفهم ومنع الضحية من الحديث أمام الكاميرات، إلا أنها استطاعت باستماتة رجولية أن تعبر عما كانت تود التعبير عنه وذلك بالمختصر المفيد.

وحسبها أنها عبرت عن مظلمتها في زمن قياسي، في الوقت الذي يتشدق فيه الزعيم و أعوانه الساعات الطوال ليقولوا لا شيء.

حسبها أنها نالت من اسمها ما أهلها لفضح وجه آخر من الفساد الذي تعودته طباع بعض القادة العرب الذين غدت فضائحهم مسخرة الصغار قبل الكبار.

حسبها أنها نالت تقدير واحترام الغيورين والشرفاء من أبناء ليبيا، فقد أوردت صحيفة “ليبيا اليوم” لعددها الصادر يوم 28 من الشهر الماضي أن المواطن فرج الغوثي من مدينة درنة قد توجه رفقة بعض أقاربه و أصدقائه إلى مدينة طبرق طلبا لزواج إيمان، ولعل فكرة هذا المواطن قد راودت العديد من الشباب الغيور من ليبيا وخارجها.

دلالة التوقيت

في الوقت الذي كان “الزعيم” ومستشاروه يدبرون مكائدهم الخسيسة للتغطية على الجرائم في حق الشعب الليبي الأعزل، وفي الوقت الذي كان فيه المرتزقة يحرقون الجثث الطاهرة ويدفنوها للتستر على الجرائم ضد الإنسانية، شاءت الأقدار أن يفتضح وجه آخر من الإبادة الصامتة. فما عاد الزعيم بعد هذه الفضيحة المدوية يقوى على مناداة المنتظم الدولي لبعث لجان تقصي الحقائق، ولم نعد نشاهده يطل على شرذمته من خلف الشاشة أو من وراء جدار، فحالته لا يحسد عليها كما تروي ذلك بعض الأخبار.

لقد تعلمت إيمان من حكمة العدالة أن المناسبة شرط، فاختارت الزمن و المكان المناسبين للتعبير صوتا وصورة عن آلام الأم والأخت والزوجة الليبية، هؤلاء الطاهرات اللواتي دنس الأرذال شرفهن إرضاء لنفسية قائد معتوه و انتقاما من ثورة الحرية والإباء، لكن دسائس الأربعين سنة تكشفت تفاصيلها بإرادة ساعة على لسان امرأة في عنفوان الإرادة والاعتزاز والشرف.

ما عاد الزمن في باب العزيزية يعد بالشهور أو الأيام كما يصوره البعض، و لكنه يعد بأقل من الأيام أو الساعات. ورب ساعة إرادة تطوي استبداد عقود، ساعة تنتصب فيها الكرامة ويأبى فيها الشرف إلا أن يصعد برجه المقدس متعاليا على حماقات استكبار بائد.

وقد أجمعت التحليلات أن الدقائق المعدودة التي سمحت بها الظروف لوقوف إيمان أمام الصحافة كان لها الوقع البليغ في قطع الخيوط الواهية التي يتحصن بها ساكنو باب العزيزية، فقد سمعنا كيف أصبحت حالة الزعيم بعد فرار المقربين منه، والذين عبروا في أكثر من مناسبة أن تخليهم عن نظام القدافي إنما كان بسبب المجازر التي اقترفتها قوى المرتزقة العاملة تحت إشرافه المباشر.

دلالة الموقف

يكفينا من الشواهد على الشذوذ التام للعقيد وحاشيته أن كل الخدمات التي كانت تقدم إليه توقع باسم المؤنث، فالخدم من الحسناوات و الممرضات من الجميلات والحارسات من العذراوات القويات، وكل ما يحبب إلى قلب القائد من النساء تسمى حتما “عائشة”، نسبة إلى رمز الاستبداد النسوي: الديكتاتورة بنت الديكتاتور.

وحيث إن العقلية القذافية البائدة تنبني على تشييء المرأة واحتقارها، فإن الصدمة في حالة إيمان كانت أقوى، ولم تستسغ معها سلطوية القذاذفة أن يوقع بيان انهزامهم على يد امرأة، لأنهم –وعلى مر أربعة عقود من الزمن– لم يعرفوا المرأة إلا راقصة أو مغنية أو خادمة أو شيء من هذا القبيل. أما أن يتصوروها معززة مكرمة شريفة، فذاك من عداد المستحيل – في قاموسهم – إن لم يكن اسمها عائشة.

إني لأتصور ساكني سراديب باب العزيزية في أشد لحظات الغيظ في معرض هذه الحادثة نظرا لأن إيمان لم تكتف بفضحهم فقط، ولكن أصرت على استرجاع كرامتها منهم و التشبث بعزتها رغم التعمية والتضليل والمساومة والمناورة.

لقد قالوا في محاولة ضالة إن إيمان كانت مخمورة، ثم عادوا وقالوا إنها عاهرة، ثم عادوا وقالوا إنها مجنونة، ثم عادوا ليقولوا: عفوا إنها سوية وعاقلة، والمعلومات حولها تؤكد ما جاء في تصريحاتها وتصريحات أقاربها. وبعد فشل كل المحاولات اليائسة لشراء شرف الضحية بالمال والإغراء، ضغطوا على أمها لتتنازل بنتها، لكن رد الأم كان أكثر قسوة من ردود ابنتها، لقد حسمت السيدة عائشة أحمد معركة ابنتها بالقول: لو رأيت وجه القدافي لخنقته.

إنها شجاعة امرأة، وجرأة امرأة، وكرامة امرأة، بل كرامة أمة سلبت منها عزتها قهرا وأشربت الذل والهوان بسكوت الخانعين وتدليس المتملقين وقهر الجلادين وتواطؤ المستكبرين.

إنها شجاعة بنسيم العزة، ويزداد بها الاعتزاز لكونها موقعة بصيغة المؤنث.