لقد تأكد بالملموس لكل ذي عقل منصف، أن رياح التغيير الجذري هبت على البلاد العربية تجتث الأنظمة المستبدة، بعد أن عمرت ردحا طويلا من الزمن، حتى رسم لها المخيال الشعبي صورة شبيهة بأساطير الممالك الخالدة مدى الدهر.

لا شك أن الأسباب المنظورة للانتفاضة في وجه هذه الأنظمة الفاسدة المقفلة معروفة لدى الجميع، وقد حصل فيها من التراكم والإشباع ما أدى إلى إنتاج مناخ عام موبوء بكل الأمراض السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعنوية المزمنة، تطلب العلاج منها والتطهر من أعراضها عملية جراحية دقيقة تستأصل الورم الخبيث من جذوره.

لكن الباعث على التأمل بنفس جديد وإرادة متجددة، هو أن هذه اليقظة الشاملة لم تكن لتخطر على بال أحد من المحللين السياسيين، ولا الخبراء الاجتماعيين، ولا رواد علم المستقبليات. شاءت قدرة الله تعالى أن تتمرد على كل الأنساق العلومية، والحقول المعرفية المهتمة بدراسة حركة المجتمعات وحقب وأزمان انتفاضتها، لتؤذن بحقيقة جوهرية أن الصانع هو الله جلت قدرته.

كان الشباب فعليا هو المحرك لعجلة الانتفاضة، والواقف من وراء زخمها المتنامي. حقا كان ربان السفينة الذي قادها إلى أن استوت على رصيف الانطلاقة الرفيعة، ثم ما لبثت فتوتها أن عانقت كل الفئات الأخرى، فدب النشاط في أوصال المجتمعات يستجمع القوى التي أوهنها سوط الظلم وصلف الطغيان، ويوحد الصفوف التي شتتها بطش الجور وسيف الإكراه، ويشعل فتيل الإرادة التي غشاها ظلام البؤس الحالك وسواده.

إنها هبة شبابية امتازت بتكاثف السواعد الفتية الجادة، وتعاون العقول المتحررة من طوق الإقصاء. إنه ربيع الشباب وفقط. فيا له من ربيع مزهر، قد أينعت ثماره وحان أوان قطافها.

لحظة تاريخية.. يصنعها الشباب

بعد مرحلة الاستعمار، تنامت في البلاد العربية والإسلامية حركة الفكر التحرري، وساد مناخ الصراع الكبير بين القطبين الأكثر نفوذا وسطوة آنذاك. وشد هذا الصراع إليه بقوة الأنفاس والحركات والعقول، بل تعداه إلى تقاسم الولاء لأحد المعسكرين والتأييد لتصوراته ومواقفه. وخاضت الشعوب ومكوناتها، تحت تأثير هذا المناخ الصراعي، معارك جانبية ووهمية ضد الأنظمة المستبدة، تماما كما كان “الفارس المغوار” دونكيشوت يحارب الطواحين الهوائية.

ولن تزول آثار هذا التخدير عن الجسم العربي، إلا في مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية الجانب. لحظتها، سيلج الوعي الشعبي ميدان التفاعل الحقيقي، والتماس الفعلي مع جوهر الذات العربية المسلمة. فتتبدى له إذاك التحديات الجسيمة، والرهانات الحقيقية، مجسدة في التخلص من الأنظمة السياسية الديكتاتورية، باعتبارها رأس المحنة وموطن الداء ومصدر البلاء.

تكشفت الحقيقة وحصل الوعي، فكانت الانتفاضة التي لم يُر لها مثيل سوى في مرحلة الجهاد ضد الاستعمار الأجنبي. وكذالك كانت ولا تزال الأنظمة المستبدة، صنيعة للاستعمار، وجسما أجنبيا ترفضه الشعوب وتمجه.

حتما لقد أوقعت المتغيرات المحلية والدولية، اختلالا بنيويا في الوظائف المرسومة لكثير من طبقات المجتمع العربي. فلا الطبقة العاملة كانت هذه المرة صانعة الحدث كما تنبأ كارل ماركس، ولا المثقف العضوي كان صاحب المبادرة كما كانت انتظارات انطونيو غرامشي، ولا الطلاب كانوا رأس الحربة كما تصور هربرت ماركوس.

أدى الانحباس في الفكر اليساري الذي تلا سقوط المعسكر الاشتراكي، إلى خفوت حدة المسلمات التي شحنت المجتمعات لزمن طويل مبشرة بالخلاص البروليتاري. فأصبح بذلك الرهان على العمال كقاطرة لعملية التغيير أمرا متجاوزا.

وكان تسلط القبضة الاستبدادية، وإفساد لوثاتها لمختلف مناحي الحياة السياسية والثقافية والفكرية، عاملا رئيسا في فرض العزلة على المثقف المتقلب في كنف الشعب والمدافع عن قضاياه، وسببا مباشرا في إضعاف أثره في مقارعة الفكر الانهزامي، ومصاولة النظر المستسلم لشروط الواقع وضغوطه.

وبالرغم من أهلية الطلاب للتغيير بسبب تخففهم من ضغط العلاقات الاجتماعية، وتعلقهم الدائم في هذه المرحلة العمرية بمستقبل كريم، إلا أن جرائم السياسات الاستبدادية بحق التربية والتعليم أفرزت انحباسا كليا في مختلف روافد التوعية السياسية الجادة، وقطعا صارما مع كل منافذ التعبئة النضالية التدافعية. وهو ما حدا بالطلاب أن يجنحوا للمطالبات الإصلاحية في أكثر التجارب.

وبمقابل كل هذا، أسدل المخاض العالمي الستار عن هبة الشباب الذي انتصب صانعا الحدث التاريخي، بعد أن وجد فجوة في النظام الدولي الجديد، لعل أهم سماتها على الإطلاق تحرير الإعلام وعولمة نظم المعلوميات. هذا الأخير، كان حقا وبالا على الأنظمة السياسية العربية، وكان فعلا السلطة الرابعة التي قوضت أركان مثلث برمودا السلطوي، خصوصا في ميدان التعبئة والتنشئة الشبابيتين.

لا شرعية… إلا من الشعب

هدف سام ومطلب غال نفيس أن تسعي حركة 20 فبراير المغربية الشبابية نحو تحقيق الخلاص لهذا الشعب من ربقة الاستبداد، لكن كيف تصبح قضية التغيير الحقيقي مطلبا جامعا يتبناه كل الشعب المغربي، وكيف تصير الرغبة في حصول التحول التاريخي عقيدة راسخة لدى كل فئات المجتمع. هذا هو التحدي الكبير.

تحول دون هذا المطلب النبيل، الذي تشرئب له كل الأعناق، عقبات كأداء، لعل أكثرها تأثيرا رواد خطاب الاستثناء في التجربة المغربية، ومنابر تأبيد الاستسلام.

هؤلاء الدعاة الجدد على أبواب الهزيمة، يستكثرون على الشعب المقهور أن يتنفس هواء الحرية ونسيم الكرامة. قوم استمرؤوا الاحتيال على إرادة الشعب، لما كانت قبضة الاستبداد تلقي عليه بكلكلها، وأصروا العزف على نفس الأوتار رغم التحولات الكبيرة والتاريخية التي تشهدها المنطقة العربية.

عادة ما يتبجحون بالشرعية التاريخية والشرعية الدينية، كركيزتين تسندان ظهر النظام السياسي بالمغرب ليستوي عليهما قائما. والذي لا مراء فيه، أن التدليس على هذين المرتكزين هو الذي أضفى هذه الشرعية الوهمية. والعقلاء الفضلاء يفقهون أن تزوير الحقائق التاريخية، والقفز على مراحل مفصلية من تاريخ المغرب، وتجميع “الاجتهادات الدينية السلطانية” المخالفة لصريح الوحي القرآني كان هو الديدن والمنهج.

ثم إن عرض النظام السياسي المغربي على الشرعية الشعبية المغيبة عندهم في الاعتبار، تهدمه وشرعيتيه من الأساس. هذه الشرعية التي لا يلبس عليها بزخرف القول باطلا وغرورا، لا تنتظم على النحو الإيجابي معيارا للقياس، إلا إن انتظمت أحوال الناس اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، في إطار سيادة ينعم فيها الجميع بالحرية والعدل والكرامة والرخاء. لذلك تنكشف عندها الحقائق وتتبدد الأوهام المخزنية.

ويكفي أن الأرقام والإحصائيات والتصنيفات الرسمية وغير الرسمية تنطق بما يخرس الألسن الافاكة، ويلقم الحجر للأفواه المتمالئة الشكاكة.

20 فبراير.. نحو حركة شعبية

على شباب حركة 20 فبراير المجيدة أن يتعامل مع هذه المرحلة الدقيقة بكثير من والتفاؤل تجاه المستقبل، لكن بكثير من اليقظة في الآن نفسه، تجنبا لمحاذير الانكفاء والإقصاء، ومغبة الانفراد والاستفراد، وجناية الارتداد والانكماش.

يعي شباب الحركة جيدا أن روح الانشقاق ومظاهر التفرقة تنخر جسم النظام السياسي المغربي، وتسري فيه سريان السم نتيجة افتقاده، بحكم طبيعته الاستبدادية، القدرة على إنتاج فضاء فكري سليم وبيئة حركية صحية. ومع هذا الوضع، لا ريب يمتنع أي بناء محكم لدولة الحق والحرية والكرامة. ولا أخال الشباب إلا على قدر كبير من الوعي، الذي به ينأون بحركتهم الفتية عن مثل هذا المساق، فتصير إلى نفس المآل لا قدر الله.

ليس أمام شباب حركة 20 فبراير بد، مع تعاقب الأيام وتراكم الإنجازات، من نقل هذه الحركة من مستواها الشبابي إلى أبعادها الجماهيرية الشعبية. وهذا يصعب حدوثه على المنوال الصحيح، إن لم يؤسسوا المناخ العام لاشتغالهم على أثافي ثلاثة شبيهة في مصيريتها و”قدسيتها” بمبادئ الثورة الفرنسية.

أولا- الوعي الوحدوي:

جميل جدا، في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ المغرب، أن يستبد الوعي بشباب حركة 20 فبراير المجيدة، بشأن مصيرية التعاون مع كل القوى الصادقة، والسعي لتوسيع جبهة القوى الراغبة في التغيير الحقيقي والحرية الكاملة.

قد يكون هذا الوعي، في مراحل سابقة، رغبة صادقة لم تسعفها الظروف المحيطة إن على المستوي المحلي أو الدولي، كما لم تسايرها الإرادة الشعبية التي تمشي عادة في ركاب الغالب لا مع صدق الراغب.

أما وعجلة “الدورة الحضارية”، كما يسميها المؤرخ الفطن أرنولد توينبي، قد انطلقت، فبإذن الله ستعيد ترتيب الوضع المختل، وستصحح الهرم المقلوب رافعة الشعوب إلى قمة السيادة، ومسقطة الأنظمة الفاسدة إلى درك الخسران. لكن قبل ذلك ستتحرر الإرادات الفردية والجماعية، الأمر الذي يقتضى ضرورة الدفع في اتجاه تحصين الشعب ضد وباء القابلية لإعادة الاستغلال، وتخليصه من قيود “العبودية الطوعية” حسب تعبير إيتيان دو لا بويسي.

ثانيا- الخطاب البنائي:

ليس من باب الرجم بالغيب، التنبؤ بأن الآلة الإعلامية المخزنية الصدئة، ستسعى جاهدة للنفخ في نقط الاختلاف بين مكونات حركة 20 فبراير، في محاولة يائسة، بإذن الله، لإحداث شرخ في هذا البناء المستقبلي، وتعميقه ما أمكن على أمل تفجيره من الداخل. وهذا مخطط فج، وقبيح قبح المساعي الشيطانية لأي نظام سياسي مارد ومستبد.

وما دام الخطاب آلة ذات حدين، فإن من مقتضيات هذه المرحلة الأساسية، أن يتم حقن الخطاب الإعلامي والتواصلي لدى شباب الحركة ومن معهم من “أنصار الحرية والتغيير” بجرعات وافية من الايجابية والاحترام والتقدير المتبادل، حفاظا على حمى هذا البناء أن يضام.

إن تحصين الذات يتطلب التأكيد على المشترك، وتركيز الخطاب على نقط الالتقاء وأهمها الرغبة في إسقاط الاستبداد، بالقدر الذي يستوجب تسديد النظر على نصف الكأس المملوء، إن كان رواد الهزيمة وتأبيد الاستسلام ينفخون في النصف الفارغ ويهولون منه.

ومع التحصين، يتم اختراق بنية الاستبداد الإعلامية، عن طريق محورة النقاش وحصره في المحصلة الكارثية لمنهجية تدبير الشأن العام، ومن ثم إعادة صياغة الرأي الشعبي وفق خيار الحرية والتغيير، حتى يحصل للنظام السياسي الاغتيال المعنوي المطلوب.

ثالثا- العمل الجماعي:

لم يسبق في التاريخ القديم ولا الحديث، أن كانت التحولات الكبرى والانتقالات العميقة في حياة الأمم والشعوب، نتاج مبادرة انفرادية أو حركة نخبوية، بل كانت، على الأرجح، محكومة بفعل جماعي ضمن إطار شعبي جماهيري. عمل جماعي تشاركي عند أعتابه حطت رحال جل مبادرات التغيير التاريخية، وعلى نسقه تأسست معظم النماذج الإنسانية الناجحة.

لقد كانت مقولة “فرق تسد” ولا تزال، من أهم الآليات التي تضعف بها الأنظمة الاستبدادية الحياة السياسية ميدانيا، وتفقرها معنويا. كما كانت أكثر الوسائل فعالية في إفقاد المجتمع التوازن المطلوب. ولعل المصير الذي آلت إليه تجربة الكتلة التي نادى بها محمد عابد الجابري رحمه الله، شاهد حي على أن الاتحاد وإن كان معطوبا هو خط أحمر مرفوض.

من المنتظر، في هذه اللحظة التاريخية من حياة الشعب المغربي، أن تشتغل هذه الماكينة التشتيتية بوتيرة أسرع، وبفعالية قصوى باحثة عن ضحايا تقتنصهم، علها تذيب كرة الثلج المتعاظمة. عندها سيكون شباب حركة 20 فبراير، في أمس الحاجة إلى توقيع صك البراءة التامة من مقتضيات السلوك الانعزالي والممارسة الإقصائية. يطلقون كل هذا طلاقا بائنا لا رجعة فيه. وستكون حاجتهم أكبر إلى تثبيت منطلقاتهم الحركية، مخافة التشتت عند أول منعرج على درب الصمود. بناء حركي شعبي جوهره فعل جماعي منتظم، ومظهره كتلة متوافقة متراصة، وعمقه ميثاق ضمني أهم بنود وآكدها إسقاط الاستبداد ودحر الفساد.