في سياق الوثيقة

أثار دعم جماعة العدل والإحسان لحركة 20 فبراير الشبابية منذ الإعلان عنها ردود أفعال متباينة إلى درجة التناقض. ومع تنامي الزخم الشعبي للحركة توالت المواقف من تأييد الجماعة لمطالب الحركة واختلفت القراءات لدوافع الجماعة وأهدافها من الانخراط في هذه الحركة الشبابية. وسعيا منها لتوضيح موقفها والتذكير برؤيتها التغييرية نشر موقع الجماعة مقالا يشبه وثيقة في نافذة “ولنا كلمة” بتاريخ 23 مارس 2011 تحت عنوان: 20 مارس والطريق إلى مغرب جديد).

مضامين الوثيقة

تضمن المقال/الوثيقة مجموعة من المواقف والرؤى التي تعبر عن ثوابت تصور الجماعة التغييري، نروم قراءته وتبويبه تسهيلا لاستيعابه وتدقيقا في مضامينه:

1. طفح الكيل

لقد جاء الحراك الشعبي الذي قادته حركة 20 فبراير وجلّت شعبيته مسيرات 20 مارس وما تلاها ليعبر أن الشعب المغربي بلغ درجة التشبع ـ بالمعنى الكيميائي ـ من لعبة تسويق الأوهام لعقود، وأضحى يريد تغييرا حقيقيا لا شكليا. تغيير بمقتضاه يسترجع الشعب إرادته وكرامته من خلال صياغة دستور ديمقراطي ينبثق عن حوار وطني مسؤول ويعكس الإرادة الشعبية في تغيير حقيقي) 1 .

2. الكلمة السواء

إن مصلحة الوطن تتطلب تعبئة شاملة ينخرط بموجبها الجميع لتجاوز المرحلة العصيبة، ويساهم فيها جميع الفاعلين في المجتمع سلطة ومكونات سياسية وجمعوية لإبداع نموذج حضاري في التغيير تحقيقا لمقولة “الاستثناء المغربي”: عندما يتفهم فيه عقلاؤه ـ أي المغرب ـ من السلطة والمعارضة بأن قدرهم جميعا أن يعيشوا تحت سقف واحد، وأن العقل الوطني المشترك من السعة والإبداع ما يمكنه من الوصول إلى حلول ديمقراطية منصفة تضع حدا للاستبداد والفساد، وترجع اختيار الحاكم للشعب، وتتفق على جعل التصرف في الثروة الوطنية رهينا بالكفاءة والحاجة والفعالية، وتضع خطة وطنية معبئة لكل جماهير الشعب من أجل حل المشاكل الاجتماعية المزمنة من شغل وتعليم وسكن وصحة وغيرها…)

3. التجاوب مع نبض الشارع

ألف النظام أن يبادر لطرح مبادرات الإصلاح وتحديد شعارات كل مرحلة بما يزكي مركزيته في الواقع السياسي وما ينمي به رصيده الشعبي، غير أن حركة 20 فبراير قلبت القاعدة وفرضت على النظام أن يتفاعل معها؛ جسد ذلك خطاب 9 مارس وما تضمنه من وعود للإصلاح لم ترق إلى انتظارات الحركة، ليستمر الحراك المطالب بتغيير جوهري: ينبغي على السلطة أن تستمع إلى نبض الشارع وأن تقتنع أن ما صرحت به إلى حد الآن لا يرقى إلى تطلعات الشعب. لقد كان ذلك تقديرا من السلطة، لكن هذا التقدير ظهر عدم جدواه. فهل نصر عليه حتى نجد أنفسنا في نهاية النفق المسدود على شفا جرف هار؟ أم نستدرك وندخل مجال التغيير من بابه الواضح والمختصر والموفر لطاقات وجهود وزمن وإمكانيات البلد؟..)

4. التحذير من الاستخفاف بإرادة الشعب

من أعجب ما سجل على أساليب تعامل الأنظمة التي نجحت فيها الثورات الشعبية، تونس ومصر نموذجا، هو سعي النظام للالتفاف على مطالب الشعب واختزالها في تحسين الأوضاع الاجتماعية بالزيادة في الأجور وتخفيض أسعار المواد الغذائية من جهة، وتوظيف وسائل الإعلام العمومية لتخوين رموز التغيير واتهامهم بالعمالة لأجندة خارجية من جهة ثانية، والمراهنة على عامل الزمن لتخبوَ جِذْوَةُ الغضب الشعبي من جهة ثالثة. والواقع أن هذا الحراك يؤشر لمرحلة تاريخية جديدة تعانق فيها الشعوب العربية الحرية والكرامة وتتبوأ مكانتها بين الأمم. أسلوب لم يجد من جربه، ولن يُجديَ لأنه سيزيد من تعقيد الوضع لأن الأمر لا يتعلق بعاصفة عرضية بل إنه طوفان شعبي جارف يؤشر على حلول ساعة الانعتاق بإذن الله من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية…)

5. تحمل المسؤولية التاريخية

دفعا للأحكام المسبقة وإسقاطا للفزاعات عبر المقال/الوثيقة بما لا يدع مجالا للشك أن الجماعة مكون من مكونات هذا البلد تؤمن أن الإقصاء أو الوصاية السياسية على الشعب ليس من مبادئها، وأنها تمد يدها لكل الغيورين والفضلاء وذوي المروءات لرفع الاستبداد واستئصال الفساد. فجماعة العدل والإحسان، ليست حالمة ولا مثالية، ولا نية لها في التأزيم، ولا تحبذ الاضطرار إلى المواجهة الشعبية المفتوحة مع السلطة.. ولا هي وصية على أحد، ولا نية لها في الاستفراد بشأن من شؤون هذا البلد، ولا أن تفرض اختيارا معينا على الشعب… إن نضالها الوحيد والأوحد والموحد هو أن يرفع الاستبداد وأن يكون الاختيار للشعب. كفى ظلما، كفى جشعا، كفى إقصاء، كفى تبذيرا للمال العام، كفى تزويرا، كفى من العبث السياسي.. كفى.. كفى…)

6. لا لتوظيف الإسلام لمصادرة إرادة الشعب ونهب مقدراته

إن جماعة العدل والإحسان ترفض أن يوظف الإسلام لتبرير الاستبداد وتكريسه تحت مسميات معينة، فما كان الإسلام يوما سيفا مُصلتا على رقاب الناس، ولا سوطا يُساق به الشعب، ولا مبررا تكدس به الملايير وتحرم منها الجماهير..)، بل الإسلام يعتبر المواطن فاعلا إيجابيا في المجتمع ينصر المظلوم ويواجه الظلم ويعتبر الساكت عن الحق شيطانا أخرس.)

7. لا للدولة الدينية الشمولية

يروج أعداء التغيير ـ أعوان المخزن ـ أن جماعة العدل والإحسان بمرجعيتها الإسلامية ستصادر الحقوق وتئد الحريات متى تمكنت وتسلمت الحكم، وكأن الشعب في ظل النظام الحالي متخم بالحقوق والحريات العامة. لذلك وانسجاما مع مبدإ الوضوح الذي يميزها صرحت الجماعة بما يزيل الشكوك والارتياب: بما أن مجال تدبير الحكم والسياسة هو مجال اجتهادي خاضع للصواب والخطإ فإننا نرى ألا وجود في الإسلام للدولة الدينية الشمولية بالمعنى التيوقراطي للكلمة. لذا فإننا ندعو إلى دولة مدنية عصرية لا أحد يملك فيها قداسة أو تفويضا إلهيا، ويكون الشعب فيها مصدرا للسلطة انطلاقا مما يؤمن به ويعتقده ويختاره. بكلمة واحدة نحن مع سيادة الشعب).

لقد آن الأوان أن يعرف الجميع أن لا مفر من العيش المشترك، يؤطره التآخي والتعاون والتكافل والتضامن نشدانا للحرية والكرامة وقطع دابر الظلم والاستبداد: إننا، معشر العقلاء، نريد أن نعيش في هذا البلد جميعا مواطنين متآخين أحرارا كرماء يدا واحدة على من استبد أو ظلم أو نهب. )

خلاصـة

إن الجماعة بهذه التوضيحات تذكر بمواقفها وثوابتها ـ التي لا تتناقض مع مطالب الأمة الإسلامية الاستراتيجيةـ لتقطع الطريق على من درجوا على الاصطياد في المياه العكرة افتعالا للأزمات وفرضا لواقع اللاأمن في البلاد تكريسا لوهم التآمر على استقرار البلد وأمنه، وتفضح مواقف المتخاذلين الذين يُخفون بوار اختياراتهم السياسية، فيسارعون لتصوير الجماعة بعبعا يهدد الديمقراطية والتداول على السلطة مستغلين حصار الجماعة ومنعها من التواصل بحرية مع الشعب عموما وفعالياته الفكرية والسياسية والجمعوية خصوصا لبسط تصورها ورؤاها في أوضاع البلد، وموظفين وسائل الإعلام العمومي للتشويش على حركتها وأنشطتها وعيا منهم بصواب خطها وسلامة قراءتها للواقع السياسي للبلاد.

إن الجماعة ـ وهي تؤكد على موقفها من الحراك الشعبي ـ تلتزم باختيارات الشعب المغربي وتُطمئن الجميع أنها جزء من المجتمع تمد يدها لذوي النوايا الصالحة والإرادات الصادقة للعبور بالبلاد إلى بر الأمان قبل فوات الأوان.


[1] جميع الهوامش مقتطفة من وثيقة: “20 مارس والطريق إلى مغرب جديد”.\