لا نريد أن نفرع الحديث في البدع الكلامية التي حبلت بها المصنفات القديمة في الجانب العقدي ولا نريد الدوران في فلكها أو بعث الصراعات الكلامية من جديد، لاسيما إذا كانت رهينة بزمن معين وسياقات تاريخية محددة، لكنه لابد من التذكير بمسائل عفى عليها الزمن وطويت ولكنها ما زالت ترمي بظلالها في الواقع الإسلامي الحاضر مما يقتضي من الباحث الوقوف عندها والتدقيق في جوهرها ليصل إلى ما يساهم في تقويم اعوجاج التصورات وبناء منظومات معرفية كفيلة بتزكية أنفس وتغيير عقليات واستشراف نهضة وازنة للأمة.

ولابد في مجال المبادئ والتصورات والعقائد من التفريق بين الاجتهاد البشري والرؤية الذاتية للأشياء وحقائق التاريخ، وبين القطعي المنصوص عليه الذي ينحبس الفكر البشري تجاهه عند فريق من أهل الفهم، وإن رأى أناس ضرورة الاجتهاد في النص القطعي الجزئي ليتساوق مع الكليات والمقاصد الكبرى التي لم تثبت بدليل مخصوص على وجه مخصوص بل حصلت عند علماء كثر عن طريق التتبع والاستقراء من مقيدات ومطلقات ومجملات ومخصصات وجزئيات خاصة في مواقع ومواضع مختلفة كما ذهب إلى ذلك الإمام الشاطبي في الموافقات.

أما أن تبنى عقائد انطلاقا من اجتهادات بشرية يعوزها النص القطعي ثبوتا ودلالة فضلا عن ابتعاد سحيق عن الفهم العميق لأسرار التشريع ودقائقه وما كان عليه الرعيل الأول الذي قاد عملية التغيير العالمي… فإن الأمر يستلزم نقدها وتمحيصها ومعرفة هناتها وجوهر الخلل الذي تحمله معنى ومنهجا.

ونرى لزاما التطرق إلى التصورات السياسية التي أثرت على جماهير الأمة سلبا وتركتها خانعة رهينة سيف مصلت على رقبتها لا تستطيع الفكاك عنه أو التخلص من وطأته خاصة إذا كانت خلوا من ثقل نافذ في الاقتناع بها أو الانجرار نحو التشبث بها عقديا… على أساس أننا سنواصل نقد العقل الإسلامي في فروع من التصورات الأخرى إن سنحت الفرصة لذلك.

أولى البدع السياسية: جبرية البيعة الصورية

يذهب العلامة ابن خلدون في الفصل التاسع والعشرين من المقدمة في معنى البيعة إلى أنها العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يديه تأكيداً للعهد… فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعةً مصدر باع. وصارت البيعة مصافحةً بالأيدي… هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة وحيثما ورد هذا اللفظ).

ونحن نعرف أن من شروط عقد البيع وصحته التراضي بين الطرفين فضلا عن الخيار، أما الجبر والقهر والاضطرار والإكراه فإنها قواصم حقيقية تهد عقد البيع برمته، بل إنها تنسف أي تعامل بشري… ومن ثم فأساس البيعة عندنا وجوهرها حرية الشعب في اختيار الحاكم الذي تود مبايعته وتنصيبه حاكما عليها… نعم حرية حقيقية قبل الموافقة، وإلا غدت تلك البيعة صورية مبارِكة للاستيلاء والاستبداد وتوريث الأمة كمتاع للحاكم الآتي بدعوى إلزامها على أعناق الجماهير المستضعفة.

وإلزامية البيعة الصورية وإحكام الأمة داخل قيدها هو إمعان في إضعافها وتكريس لإذلالها وخلع لأهليتها في الاختيار، وسلخ لجوهرها وتقوية لنظام الاستبداد وإعلاء لراية القهر والظلم ونشر الفساد، وتساوق مع علماء السلاطين المتقنين لفن الإخضاع.

كانت البيعة منذ ظهورها في النسق الإسلامي، كبيعة العقبة والشجرة والنساء والسقيفة وغيرها، تصرفا اختياريا بين حاكم ومحكوم يطبعه الحب والثقة والارتباط الوجداني والقيمي بينهما، لكنه أتى على الأمة حين من الدهر أصبحت البيعة سلاحا تقاد به الأمة قهرا من قبل الغوغاء المتسلطين والأغيلمة المتنفذين بل إنها الجودي التي ترسو عليه سفن أنظمة الاستيلاء والاستبداد وطغيان الفرد.

وقد أشار إلى هذا الملمح ابن خلدون، كذلك، حين وصف البيعة في صيرورتها الزمنية بقوله: وكان الإكراه فيها أكثر وأغلب، ولهذا لما أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاة عليه، ورأوها قادحةً في أيمان البيعة، ووقع ما وقع من محنة الإمام رضي الله عنه. وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل، أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازاً لما كان هذا الخضوع في التحية والتزام الآداب من لوازم الطاعة وتوابعها، وغلب فيه حتى صارت حقيقيةً عرفيةً).

لذلك نرى التحقيق في المصطلح وحمولته الحقيقية وإبعاده عن التقاليد الكسروية التي ألهَت (الفرد) ومكنت له وجعلت الأمة خاضعة لهواه، وما أحوجنا اليوم إلى الانعتاق من الأسر، واقتلاع الحرية من أشداق المستبدين وعملائهم الذين يزينون لهم فعال الإخضاع والإركاع وما يستتبعه الاستبداد من تجويع وتفقير وتجهيل وتمييع وهيمنة على الخيرات ومقدرات الأمة كلها.

ثاني البدع السياسية: الاستكانة للحاكم وعدم الخروج عليه وإن كان ظالما

جاء في بعض كتب العقائد ما يلي: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننـزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة). ولتبرير هذه العقيدة السياسية ساق الشراح نصوصا سلخت من سياقها وحقيقة ما تهدف إليه، كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء:59) وقوله عليه الصلاة والسلام: “من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني”.

والمتأمل لهذين النصين مثلا لا يجد مباركة الخضوع لحاكم ظالم، لأن طاعته في النص تبع لطاعة الله ورسوله، فضلا على أن يكون هذا الحاكم من الأمة، أي من عمقها، نابع من اختيارها ومتناغم مع مصيرها وهادف لتحقيق سعادتها وسؤددها ومجدها، أما الحاكم المستبد الذي فرضت البيعة له قهرا وجبرا وكان مستوليا على خيرات الأمة، ظالما لا يتحرك سوى لاجتلاب مصالحه الشخصية ومآربه عصبته ولعاعات حاشيته… فإنه لا تجب طاعته أو الخضوع لقهره أو الاستجابة لنزواته لأن الأمة الحية هي التي تقول للظالم: يا ظالم…

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم) هو حث حقيقة على مواجهة الظالم وزجره عن ظلمه وتبيان لخطورة ترك هذا الأمر، فإنّ الناس إذا تركوا زجر الظالم في وجهه والتحذير منه فإنّ الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم، أي يقطع نصرته عنهم كما قال غير واحد من الشراح. والرسول صلى الله عليه وسلم حذّر أمته أنهم إذا وصلوا إلى حالة يهابون فيها أن يقولوا للظالم يا ظالم عندئذ تودّع الله منهم، وتخلى الله عنهم وتركهم ووكلهم إلى أنفسهم وقطع نصرته عنهم.

والتاريخ حاكم لما نراه من خطأ ما ذهب إليه المباركون لنظم الاستبداد، ألم يجابه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم (يزيدا) في معركة الحرة التي خرجوا فيها عليه حين أيقنوا إيقانا تاما بفسقه وظلمه واستكباره؟؟

في تاريخ الخلفاء للسيوطي في باب يزيد بن معاوية: – في سنة ثلاث وستين بلغ يزيدا أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة…

– ذكرها الحسن مرة فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم، ونهبت المدينة وافتض فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون).

وجاء في البداية والنهاية لابن كثير (أحداث سنه 63) … ثم أباح مسلم بن عقبة، المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد، وقتل خيراً خلقاً من أشرافها وقرائها، وانتهب أموالاً كثيرة منها، ووقع شرُّ عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد‏.‏

– قال المدائني‏:‏ وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال‏. ‏وعن أبي قرة قال‏:‏ قال هشام بن حسان‏:‏ ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج‏.

– وسئل الزهري‏:‏ كم كان القتلى يوم الحرة‏؟‏ قال‏:‏ سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف‏.‏ قال‏:‏ وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة ثلاثة أيام).

والسبب في ذلك مجابهتهم لظلم يزيد وخروجهم عليه ورفضهم ثقافة الاستكانة والخضوع وإن بذلوا في ذلك أرواحا وأعراضا ومقدسات لتتربى الأمة على تغيير نمط الحكم الفاسد وتقف رافعة رأسها عاليا في وجوه الرعاع المتسلطين.

لذلك فالذين يسوغون للأمة مهادنة الظالم ومجابهة الثائرين بفتاوى التخوين والخروج وشق عصا الطاعة هم منسلكون حقيقة في ديوان جنود فرعون الذين كانوا ظالمين، لأنهم المثبتون لعرف الاستبداد والفساد والأسر والإركاع وشتى العلل القاصمة لمجد أمة كانت في القدر والأزل شاهدة على الأمم كلها شهود حرية وتمكين وعزة وكرامة وإسعاد للإنسانية كلها.