أسوأ ما في هذا الحراك الذي تعيشه بلادنا، بعد الأخطاء الأمنية والسياسية، هو أداء الإعلام العمومي الذي أثبت تخلفه وعدم مهنيته وانحيازه.

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع مواكبة إعلامية لما يعتمل داخل المجتمع من نقاشات مهمة، لاحظنا انشغال قنوات القطب العمومي ببث برامج الفكاهة والسهرات الماجنة والمسلسلات المدبلجة، وحتى بعد اشتداد النقد وخضوعها الاضطراري لاحظنا انتقائية البرامج الحوارية وتوظيفها السيئ في الدعاية، وبطريقة مملة ومفضوحة، ضد خصوم سياسيين.

لقد كشفت هذه القنوات حقيقة خطها التحريري البعيد عن المهنية والموضوعية والقرب من المواطن، وخير مثال هو نشرات الأخبار التي توظف لتصفية حسابات ضيقة وتقتطع فيها الصور وتحرف فيها التصريحات ويفترى فيها الكذب على أطراف معينة بما يخدم مصالح اللوبي المخزني التقليدي المتحكم في الإعلام العمومي، وبالمقابل، توضع هيئات وشخصيات وإعلاميون في القائمة السوداء لحرمان المواطنين من معرفة رأيهم والحكم عليه بعد مقارنته بالرأي الآخر.

لقد بينت تغطية قنواتنا لأنشطة حركة 20 فبراير، وخاصة القناة الثانية، أنها خارجة عن سياق المرحلة ومحكومة بعقليات مخزنية تحن إلى زمن الاحتكار متناسية أنها تدبر قنوات عمومية تمول من جيوب دافعي الضرائب، وأنها لم تعد وحدها مصدر الخبر أمام تزايد وسائط الاتصال التي أصبحت متاحة لكل المغاربة. ولنتصور لو كانت تلك الضريبة الشهرية التي تقتطع من فواتير المواطنين اختيارية هل يقبل مواطن بأدائها؟

إننا اليوم أمام أحزاب عاجزة وتعليم فاشل وإعلام خاص ضعيف الانتشار وإعلام عمومي مهجور ولا تأثير له لأنه يتجاوب مع الأحداث بطريقة فولكلورية ويناقش قضايا عميقة بسطحية ومنهجية عتيقة ووجوه قديمة ممجوجة. والنتيجة أننا أمام فشل كل مؤسسات التأطير التي يمكنها صناعة مواطن مشارك بإيجابية وقادر على اتخاذ الموقف الصحيح تجاه ما يجري حوله.

لقد كان مثيرا للانتباه، منذ التدخل الأمني الوحشي في حق المحتجين يوم 13 مارس، الحملة الإعلامية التي تقودها القناة الثانية على جماعة العدل والإحسان. وللأسف، يتورط في هذه الحملة، عن قصد أو غير قصد، بعض وسائل الإعلام الأخرى والساسة الحريصين على التقرب من دوائر القرار بشن حملة على «العدل والإحسان»، ولو اقتضى الأمر اصطناع وقائع وهمية لا يمكن تخيلها، فأحرى تصديقها. والحاضر الغائب في كل هذه الحملة هو صوت «العدل والإحسان» المغيب من الإعلام العمومي، والمحروم من أبسط حقوقه في إصدار جريدة، والممنوع من حق الرد والتوضيح بعد سيل الاتهامات والتجريح الذي تعرض له في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية. وحكماء الإعلام العمومي لا يحركون ساكنا، بل منهم من نصب نفسه طرفا في هذه الحملة متخليا عن واجب التحفظ الذي يفرضه عليه وضعه القانوني.

ذنب «العدل والإحسان» أنها دعمت مبكرا حركة 20 فبراير وثمنت مطالبها، التي لم يعترض أحد على مشروعيتها، وذنب شباب الجماعة أنهم انخرطوا في هذه الدينامية بدون انفراد أو هيمنة أو تميز، وبدون لافتات حزبية أو مطالب خاصة، وبحرص على المشاركة بأعداد رمزية وعلى الطابع السلمي لكل الأشكال النضالية. وقد كان حريا بكل من له غيرة على البلاد تثمين هذا الخيار عوض التشكيك في النوايا والتلويح بفزاعة «العدل والإحسان» لتفكيك هذا العمل المشترك وإضعافه. وكان حريا بهؤلاء المسارعة إلى حل مشاكل الناس عوض اتهام الجماعة بالركوب عليها.

كان الأولى بهؤلاء الاتعاظ من الدروس السابقة لـ«بنعلي» و«مبارك» و«القذافي» الذين لم ينفع تلويحهم بفزاعة الإسلاميين في حفاظهم على عروشهم. وكان الأولى بهم إعادة النظر في أفكارهم حول «العدل والإحسان» التي بينت أنها أحرص على استقرار البلاد وأمنها، والتدقيق في النعوت والصفات التي يتبنونها دون تمحيص.

يحرص البعض على نعت الجماعة بالمحظورة، وهم يعلمون أنها جماعة قانونية حائزة على أحكام قضائية من جل محاكم البلاد بمختلف درجاتها، ويعلمون أنها سلكت كل المسالك القانونية والإدارية، منذ الثمانينيات، للحصول على حقها في التنظيم، وقد كانت الحركة الإسلامية السباقة إلى هذا الأمر في وقت كانت فيه السرية هي الخيار المفضل لدى الباقي. وحرصت، رغم كل أشكال التضييق، على إعلان برامجها وقياداتها واجتماعاتها واتخذت لذلك كل الوسائل للتواصل مع الرأي العام رغم منع كل منابرها الإعلامية بشكل تعسفي.

ويحرص البعض على نعت الجماعة بالمتطرفة، وهم يعلمون أنها ليست تكفيرية وبعيدة عن الفهم المتشدد للدين وعن الوسائل العنيفة. وهي التي تنص في كل وثائقها التعريفية على أنها «جماعة من المسلمين» وليست «جماعة المسلمين»، وترفض تكفير المجتمع أو الحكام أو الأشخاص، وترفض ما يترتب عن ذلك من أفكار الغلو والتشدد، وتنبذ العنف من منطلقات شرعية وسياسية، واستطاعت منذ تأسيسها ترسيخ فهم وسطي ومعتدل للإسلام رغم ما لقيته من مواجهة وحرب من قبل حركات وهابية متطرفة كانت تمولها أجهزة في الدولة لتقليص حضور الجماعة في المجتمع. وتمكنت، كذلك، من إبداع صيغة تصورية وحركية وتنظيمية مغربية للعمل الإسلامي بعيدة عن النموذج الإخواني العالمي وعن النموذج الإيراني الحالم، منذ ثمانينيات القرن السابق، بتصدير الثورة. وهذه أمور لا ينكرها إلا جاحد ولا يستهين بدورها في حفظ التدين والشباب المغربي إلا مكابر.

ويحرص البعض على التشكيك في أهداف الجماعة، مع العلم أنها تؤكد في كل وثائقها أنها تدعو إلى دولة مدنية تعمها تعددية سياسية، ويسودها فصل حقيقي للسلط، ويكون الشعب فيها مصدر السلط، والسيادة فيها للقانون والمؤسسات، وتحترم فيها حقوق الإنسان، ويتداول فيها على السلطة بانتخابات دورية منتظمة. بل إنها تعلن دائما أنها جزء من هذا الشعب ولا نية لها في الاستفراد والاحتكار، بل هي تمد يدها إلى كل من له غيرة على هذا البلد، وتدعو إلى حل كل الخلافات بطريقة سلمية من خلال حوار وطني نحن في أمس الحاجة إليه اليوم قبل غد.

لماذا إذن هذه الحملة الإعلامية والسياسية والأمنية على «العدل والإحسان»؟ ومن المستفيد منها؟ ومن الخاسر؟

تصعب الإجابة عن هذا السؤال، ولكن يسهل التأكيد بأن هذه الحملات لا تضعف الجماعة لأنها ليست الأولى التي شنت عليها وخرجت منها أكثر تماسكا ووحدة وانتشارا وشعبية.

على هؤلاء استيعاب الدرس قبل فوات الأوان، وعلى كل الفضلاء التصدي لهؤلاء الاستئصاليين الماسكين بزمام القيادة والعابثين بمصالح البلاد. هؤلاء يلعبون بالنار ونحن بسكوتنا عنهم وانجرارنا وراء مخططاتهم نعرض مستقبل البلاد للخطر.

أما «العدل والإحسان» فستبقى قوة هادئة لا تخضع للاستفزاز ولا تنجر إلى معارك جانبية لا تخدم مصلحة البلاد والعباد. ووحدها الأيام كفيلة بتمييز الخبيث من الطيب.