إرادة وإرادة

ما يعيشه الوطن العربي على امتداده اليوم، ليس سحابة صيف عابرة، إنما هي عواصف شديدة، ورعود مزلزلة، وفي الأفق لا يلوح انتهاؤها إلا بعد أن يذهب الزبد جفاء ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع البلاد والعباد.

وبقراءة هادئة لهذه الأحداث، لمن أراد أن يلخص المشاهد والأحداث التي دارت وتدور فيمكن اختزالها في تجاذب إرادتين متباينتين مختلفتين: أولاهما إرادة الشعوب وهي إرادة منبعثة من رحم الجور والظلم الذي ساد لعقود بل ولقرون، يقودها الشباب الذين كانوا أحدث الضحايا لمسلسل إرادة الأنظمة بعد أن قضى أجدادهم تحت وطأة الطغيان والاستفراد والاستبداد، إرادة لا تعرف التراجع كما عقارب الساعة، إرادة انخرط فيها الجميع فاجأت الملاحظين والمتتبعين، وزلزلت أركان الظلم. إرادة جديدة تتجدد كل يوم بما تحققه وبما يكشف عنه من حقائق عن ثروات وتلاعبات… إرادة يتبعها فعل واع منظم ناضج، إرادة شامخة وراسية على أسس متينة، أتبعتها الشعوب تضحيات جسام وبذل لكل ما بالإمكان من الدواء والغذاء والغطاء والكساء. إرادة عنوانها الحرية، والحقوق والقطيعة مع كل أنواع التسلط المهين.

وفي المقابل إرادة أنظمة متهالكة قديمة عتيقة، تحن دائما إلى الماضي، لا تجد مناصا من محاولات الالتفاف، وتلميع المشاهد بخرجات إعلامية وتفصيلات جديدة لفصول مسرحية سمجة، وترتيب ألحان جديدة لم تعد تطرب إلا أصحابها. إرادة جامدة منذ عقود تحلل الوضع بنفس المعايير، لا تصغي إلى آلام الشعوب الميتمة المقهورة، وعوض استئصال الجراثيم الخبيثة من الجسم تلجأ إلى المراهم تارة، وإلى الدراهم تارة أخرى وتتمسك بكل قشة في محاولات يائسة لإعادة ترتيب الأوراق. إرادة تخطئ الحساب هذه المرة، ولا تفتأ تتوسل بالترقيعات، والخوض في الجزئيات ولا تخجل في أن تسخر جلاوزتها وزبانيتها من أجل إطالة أعمارها، ولا تتورع عن دك وقصف وخسف إرادة الشعوب بالطائرات والدبابات. في دلالة واضحة على مدى كره هذه الأنظمة لشعوبها، واستعدادها لتجريف كل البلاد ” دارا دارا” و”زنقة زنقة”.

الشعب يريد المستقبل، يريد الانطلاق إلى الأمام بعد أن يتخلص من شباك وشراك هدت جسمه لعقود عديدة، وأجهدت قواه، وأجهضت أحلامه وآماله، ونالت من كل مفاصله حتى كادت تقضي على كل ذرة من كرامة أو بصيص من نور. الشعب يريد الانعتاق من ربقة الاستعباد والاستبلاد والانقياد لتتحرر مواهبه وطاقاته، فيبني للمجد صروحا وللعزة بنيانا، يبني ويشيد ويرفع للبلاد علما وتجد إرادته موطئا تحت الشمس، لتتنسم عبير الحرية وعبق السؤدد وأريج الكرامة، ولترتشف ماء العزة الزلال، وترتوي لبن المجد الذي طمرته هذه الأنظمة الفاسدة المفسدة تحت أطمار الثرى، وتتسلق مدارج الثريا.

أما الأنظمة فتريد دائما النكوص بالأوطان إلى الوراء، وتحن إلى ماض مدرج بدماء شهداء الوطن الذين قضوا تحت نير سلطة لا تعرف إلا البطش والخسف، ولا تجيد غير فنون التنكيل، وصيرت أبناء الوطن غرباء داخله، فدفعوا دفعا إلى قوارب الموت، وإحراق أجسادهم. أنظمة تتضاعف ثرواتها على حساب الوطن ولا تجود إلا بالفتات الذي تَمُنّ به وتطبل له سنوات، وتسخر جيشا عرمرما من الإعلاميين والمداحين ممن تخرجوا من نفس المدرسة، فلم يتقنوا غير دروسها، ولا يتقنون غير لغتها القديمة المسكوكة التي صارت الشعوب تعرف فحواها قبل أن تتكلم بها أبواق الأنظمة التي استفردت بالثروات فوق الأرض وتحتها ولم تنس الهواء فحجرت على الشعوب أن تتكلم أو تعبر عن أفكارها وآرائها، إذ لا مجال مفتوح إلا لم غرد بنفس الترنيمة، وعزف على نفس المنوال.

الشعب يريد أن يقطع مع الاستبداد والاستفراد ونهب الثروات تحت مسميات لا محدودة، تتجدد في ثوبها القديم يوما بعد يوم وسنة بعد سنة، ليشارك هو الآخر في صناعة الحياة ورسم تفاصيل عيشه، وينسج خيوط ودروب عيش كريم يقيه ذل المهانة ويقيه ظلم الظالمين وعبث العابثين. ويساهم في القرار والتنفيذ حتى يعرف للحياة طعمها الذي لا يكون إلا بالمشاركة والتفاعل، والأخذ والعطاء.

أما الأنظمة فيبدو أنها لم تع سنن الكون، وآثرت أن تسير على نفس الوثيرة، وسخرت كل شيء من أجل ذلك دون استثناء، ولَما لم تفلح استعانت بأعداء الشعوب وتوسلت إليهم بكل وسيلة، واستعدت قوى الاستكبار العالمي على شعوبها وجعلتهم فزاعة، حتى تستدر عطفهم وأسلحتهم، وتخرسهم عن الكلام إذا ما قتلت وعنفت وسجنت وعذبت.

إرادتان هما إذاً، متوازيتان لا تلتقيان، إرادة شعبية تتجه إلى الأمام، مقابل إرادة الأنظمة التي تتمترس بالماضي دائما وتتقهقر نحوه وتحن إليه. إرادة شعبية عارمة تعي متغيرات الزمان والمكان تطمح إلى التغيير والتجديد والتطهير، في مقابل إرادة الأنظمة الشمولية الجامدة، التي لم تتأقلم مع متغيرات العالم الجديدة.

الشعب المحظور… النظام المحظور…

راهنت الأنظمة كثيرا على قوى الاستكبار العالمي، ولما حان وقت الامتحان كانت هذه القوى أول المتبرئين، بل إنها لم تتوان في نعتها بأفظع النعوت، وكسوتها بعباءة الديكتاتورية والشمولية وانتهاك حقوق الإنسان والمواثيق الدولية حتى توجيه أسلحتها ودك حصونها. عبرة هي لمن اعتبر. وحينما أحست البساط ينسحب من تحتها، لجأت إلى دغدغة مشاعر الشعوب كونها هي الضامن للوحدة والأمن والاستقرار، فليت شعري من أوصل هذه الأوطان إلى ما وصلت إليه، وفرقت أبناء الوطن الواحد، وجعلتهم شيعا وقبائل تستضعف واحدة وتستقوي بأخرى حتى تثير النزعات والنعرات، وما عرف على أبناء هذه الأوطان إلا الحب والوئام والتعاون على مر التاريخ قبل أن تتسلط هذه الأنظمة ليكون مخطط التقسيم على رأس أولوياتها. ولك أن تلقي نظرة على أطراف الوطن العربي لتكتشف حقيقة ذلك.. ولما لم تفلح مرة أخرى، لأن الشمس لا يسترها الغربال، لجأت إلى دغدغة أسماع الشارع ومعه الغرب، كون الأمر يتعلق بـ”جماعة محظورة”، ويا للغرابة والعجب: يخرج الشعب بالملايين في القرى والمدن والمداشر، وتختصر الأنظمة ذلك في “جماعة محظورة” والأولى أن يقال الشعب المحظور: فما معنى أن تخرج الجماهير سيولا وأمواجا لتحتج على التعذيب والقوانين والمؤسسات والأوضاع السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية…نعم إنه الشعب المحظور من الحرية التنظيم والتعليم وثروات البلاد…

مارست الأنظمة الحظر على الشعوب الحظر الشامل وفي كل الاتجاهات، ولا غرابة أن تعاقب هذه الأنظمة بنفس ما عاقبت به شعوبها: الحظر، وقد كان ذلك كذلك، حظرت طائراتهم ، وأقفلت أجواء الأصدقاء وأولياء النعمة لما ضاقت بهم الشعوب والأوطان، ورددوا هذه المرة مع الشاعر:دع عنك لومي فإن اللوم عتاب *** وداوني بالتي كانت هي الداء