هذه القصيدة هديّة لروح الشهيد السعيد حسن علي الجابر وتحية للجزيرة صوت كل شّعب ثائر، وصورة مجازر كل سلطان جائر، ووصيّة لليبيا والبحرين واليمن وتونس ومصر وكلّ مصر تبشّر أحرارها بأن النّصر آت ولو بعد حين وأن لا عدوان إلاّ على الظالمين. وأن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا يصلح عمل المفسدين. والحمد لله رب العالمين.يا جابرا كَسْر الأُباةِ عَلِيَّنا *** حَسَنَ الجزيرة والجزيرةُ صَوتُنا
بورِكْت مِن شَهْم أصيل مُبدع *** رام الطّغاةُ له النّهاية والفنا
بمُلَثَّمين وهل يُلَثِّمُ وجهَه *** إلاّ ظلوم يختفي خلف الكُنى:
«ملك الملوك» و«فاتح» و«محرّر» *** و«الثائر المغوار» «صانع مجدنا»
بئس المسمّى والأسامي كِذْبَةٌ *** لا تنطلي إلاّ على من أذعنا
قُذِف الحبيب بنار غدر قاتل *** في ظهره والظّهر يلعن من جَنى
نم مطمئنّا يا شهيد فكلّنا *** حسنٌ عليٌّ جابر عاف الدُّنى
لمّا رأى قذّاف لبيا حاكما *** أمضى عقودا جائرا مُستهجَنا1
يستعبد الأحرار يُسْكِت صوتَهم *** يستنسِخ الأغرار عُشّاق الوَنَى2
ويُطلّ من أسوار عاصمة الأَسى *** بالطبل والمزمار يصرخ مُعلنا:
«هيّا ارقصوا غنّوا وكونوا ثورة *** نارا على من صار جُرْذاً مُدْمنا
بحبوب هلوسة تخدّر وانبرى *** مثلا لقاعدة تهدّد أمننا
ظِلَّ المُعمِّر في البلاد وذيلَه *** أغلى أمانيه استباحة نفطنا»
يا قاتل الثّوار صانعَ بؤسهم *** يكفيك خزيا أن تُدين نبيّنا
يا ملهم الأفكار أخضر حمقه *** الحمق أنواع وأبشعه «الأنا»
يا مَن«أنا»كلٌّ المُنى في زعمه *** ملأ الدُّنى كبرا وأفسد واغتنى
بالسّيف يَكْتُب مجدَه أبئس به *** مجداً يُسَطَّر بالدّماء وبالخنا3
يا سيّدَ«الجرذان» قائدَ جيشهم *** ومورِّث الحمقى بلادا مثخنا
فَضَح المصوّر ما زعمت مكابرا *** بمصور رضي الجزيرة مسكنا
وأحالها عيْنا على جور العدى *** في تونسٍ في مصر في جُحر الضنى
لبيا وهل مثل المُعمَّر قاذفا *** بالنّار من سئِم الحياة مُدجَّنا
واشتاق للمختار قائد قومة *** أزرت بفاشية وأعلت شأننا
لبيا وكنّا نستهين بشعبها *** حتّى رأينا من تُقاه مُطَمْئِنا
ومن الشّباب عزائما لا تَنْثَني *** ومن الشّيوخ بصائرا سُرُج الجِنا
ومن النساء عجائبا لا تنقضي *** هاما علا فوق القِباب وما انحنى
ومن الصّغار مواهبا وبدائعا *** حفاظ قرآن به الكلّ اعتنى
بوركت من شعب كريم طيّب *** أهل لأن يُفدى بجابر كسرنا
مَن زار مُختار الجهاد تبرُّكا4 *** نِعم الإشارة والبشارة تُقْتَنى
كانت زيارةَ مُبدِع ومُوَدِّع *** لِمَن ارتضى صحراء لبيا موطِنا
صوَّرْتَ قَبرا للمخَلَّد ذكرُه *** إنّ الشّهيد عن الشّهادة في غِنى
هي صورة رمزيّة لضريح مَن *** أمسى مثالا للفِدى في عصرنا
مَنَّيْتُ نفسي أن أكون مُصوِّرا *** لمّا رُفِعْتَ مُشَيَّعا ومُؤَبَّنا5
فوق الحشود من الأسود نشيدُهم: *** الله أكبر والعقيد عدوُّنا
قَسَماً دم الشّهداء لا يمضي سُدى *** مهما تمادى فالمهيمن حَسْبُنا
والمجلس الوطني يشجب ما جرى *** يدعو إلى حظر يُؤَمِّن جونا
من طائر مستنسر لا يرعوي *** يبدي الإِباء وإن نَلُمْه أذَلَّنا
ولهيئة الأمم الخجول قرارُها *** وَعْدٌ تحوّل مُلهيا ومُسَكِّنا
هذا يؤيّد لا مضاء لعزمه *** وأخو العزائم لا يؤيّد صفّنا
كلّ يندّد والعدوّ مدمّر *** كلّ يُسوِّف والمُدجَّج قد دنا
كلّ يحلِّل والقذائف حظّنا *** كلّ يحرِّض والمعمَّر في هَنا
كلّ يدمدم والخميس جيوشه *** تُفني أهالينا وتقصف أرضنا
كلّ مصالحه مناط قراره *** والثّائرون دم يُجَرِّم صمتنا
الله أكبر لا مَرَدَّ لحكمه *** والنفخ لا يُجدي لإطفاء السنا
والجابر الحسن العَلِيُّ شهيدنا *** أحيى بصورته شبابا مؤمنا
لِيَثور ثَوْرَته ويطلب حقّه *** بجهاده وجلاده لا بالمنى
ما حَكَّ جِلْدك مثل ظُفرك يا أخي *** أنت المصوب والمُهنَّد والقنا
ودعاؤنا لك داعم وقنوتنا *** يا وارث المختار أَتْمِم ما بنى
إن لم يكن بُدّ مِن الموت اقتحِم *** كن مثل جابرنا وضَمِّد جرحنا
بالصّوت من قنوات آساد الشَّرى *** بالصورة الفُضلى تُجَلّي وضعنا
بجزيرة وسْط البحار فِناؤها *** شاشات إرسال تنوِّر فهمنا
تبدي الحقيقة باحتراف محايد *** لا بالهوى والمال يُعطى مُنْتِنا
لِمَن اشترى فَانٍ بِباقٍ ويحه *** الزرع في الدنيا وفي الأخرى الجنى
هذا شريف لا يُريقُ دماءه *** إلا لِيُبْلِغَنا الكرامة مأمنا
والغِرُّ بالأوهام عَلَّق قلبه *** وأشاد بالباغي وكال له الثَّنا
والنِّكس6 للجزّار باع دماءه *** لا يرحم الديّان خبّا7 مُدْهنا8
تَعْمى البصائر قبل أبصار الورى *** هل عاقل يشري المُدَنَّس مُثْمِنا
للوهن أنفال خبيث رِيعها *** وغنائم الشهداء تطلب محسنا
حرية حمراء نطرق بابها *** بيد مدرجة ليفتح ربّنا
الله غايتنا وأحمد أسوة *** والصّدق دَيْدَنُنا وعِصْمَة أمرنا
وصناعة التاريخ تطلب صفوة *** هم بيننا أصفى الخلائق مَعْدِنا
إخوان طه الفائزون بشوقه *** يا رب ألحقنا بهم، رفقا بنا
إن لم نكن أهلا لذاك فإنّنا *** نرجو، وآلاء الرّجاء تعمُّنا
صلّوا على الهادي الحبيب شفيعنا *** ما حنّ مشتاق لذكرٍ في مِنى
ولطيبة حيثُ الحبيب محمد *** روحي هناك وإن ثَوى جسمي هُنا
صلّوا وصلّوا أكثروا لا تسأموا *** الخزي للأعداء والعُقْبى لنا
1- مستهجنا: مقبوحا مذموما.

2- الونى: الضعف.

3- الخنا: الفحش والكلام البذيء.

4- ذكرت الجزيرة أن الفقيد السّعيد رحمه الله زار أسد الصّحراء شيخ المجاهدين “عمر المختار” رحمه الله في قبره وأخذ لضريحه صورة كانت آخر عهده بالتصوير بل بالحياة، وفي الزيارة والصورة قبل استشهاده على يد مرتزقة القدافي وأجناده إشارة وبشارة تضيق عن وصفها العبارة.

5- التأبين: مدح الميّت بتعداد مناقبه فكيف بالشهيد.

6- النكس: الجبان.

7- الخب: الماكر، المفسد الفاسد.

8- المدهن: الغشاش الكاذب المنافق.