قال الله تعالى: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (سورة إبراهيم – 15).

صرح أحد المنتسبين إلى الحزب الوطني الحاكم في مصر سابقا، والثورة المصرية في عنفوانها وقد اقتربت من تنحية النظام السابق، وهو لا زال يصارع من أجل البقاء، أن الرئيس معروف “بالعناد” و”الكبرياء”، وعندما رد عليه أحد شباب الثورة، قال المتحدث: “إن كبرياء الرئيس من كبريائك”..

هذا الحوار القصير في خضم الأحداث التي تابعنا تفاصيلها إبان الثورة المصرية، يلخص لنا شدة البلاء في الحكم عند المسلمين، تلخيصا في العمق، بحيث يغوص بنا في أعماق الشخصية الحاكمة، ويقف على مكمن الداء، حيث تغلي الصفات المحددة للشخصية في مراجل النفس البشرية، قبل أن تنفجر في وجه الشعب براكين مهلكة، قاسمها المشترك استكبار مستبد، قد أبان هذه الأيام عن أبشع وجوهه المتلونة، تلون المنافق الذي إذا خاصم فجر، ولم يستطع أن يحافظ على ابتسامته الصفراء، وإنما كشر عن أنياب تزداد عضا على السلطة بالإكراه والرشاوى والعنف والدماء… وكل ما جربته البشرية ولم تجربه من وسائل البقاء.. لكن أنى لأنياب قد نخرها السوس أن تصمد أمام إرادات فتية لم تعد تنطلي عليها الحيل.

إن اتجاه الأمور إلى الحل بعد رحيل الرئيسين التونسي والمصري، أكد على أن التحليلات التي تجاوزت حدود الحديث عن المعطيات السياسية والواقعية إلى استحضار طبيعة شخصية الرئيس ونفسيته الخاصة، وحضورها كطرف أساسي في المشكلة، هي تحليلات واقعية، خاصة في مثل واقعنا العربي، حيث تطغى الذات البشرية الحاكمة على المؤسسات القائمة، وتختزل الأنظمة السياسية في الحكام وتقلباتهم المزاجية، وتستعمل هذه المؤسسات في حالات عدة كدروع واقية تمنع عن الحاكم الصدمات والانتقادات الشعبية في الداخل، وكلباس الزينة يظهر به القوم أمام العالم في الداخل والخارج، أما شؤون الحكم الحقيقية فإنها تدرس في مكان آخر.

وما ذكره العضو المسؤول في “الحزب الوطني” من عناد وكبر الرئيس، هو في الحقيقة أحد أكبر أسباب الكوارث التي وصلت إليها الدول العربية. فمن سيستمع لمن، ومن سيطاوع من، ومن ومن..؟! وانظر إلى الآية التي ذكرناها في البداية كيف تجعل الخيبة والخسران نتيجة حتمية لكل جبار عنيد، خاب وخسر هو، لما خابت أعماله، فما ظنك ببلد قوانينه وسياساته المتبعة، صادرة عن أقوال وأفعال خائبة من ذوات متجبرة متكبرة عنيدة.

والأخطر الأدهى والأمر، ما ينم عنه رد المتحدث على الشاب، من جعل صفات الرئيس الشخصية من مقومات “السيادة الوطنية”، وذلك في تماه خطير بين أمراض النفوس المتجبرة وكيان الدولة. هذا الخلط بين الحاكم كممثل للدولة، وبين الدولة كشخصية معنوية مستقلة سابقة ولاحقة على موظفيها، جعل كل محاولة للإصلاح والمعارضة للحكم بمثابة تهديد لمصالح البلد وأمنه واستقراره… كما أزال الحدود الفاصلة بين الذمة المالية للحكام وبين مداخيل الدول، لتجتمع السلطة، المخولة للدولة وإن كان يمارسها الأشخاص، مع الثروة المستحقة لمصالح الشعب، في أيادي ترى نفسها ليس فقط ممثلة للدولة، بل روحا سارية فيها، لا تنفك عنها!!

نعم لابد للحاكم من صفات تجعله يقيم للدولة هيبتها داخليا وخارجيا، لكن في حدود القوانين السامية على جميع أفراد الشعب حكاما ومحكومين، و”بالثبات” و”العزة في الحق”، لا “بالعناد” و”الكبر”، إذ لا يصلح المتصف بهما لمسؤولية، حيث لا يكون المراد عند المتكبر العنيد نشدان الحق، وإنما إرضاء غرور النفس وإشباع رغبتها في التعالي على الخلق.

إن وصف “الكبرياء” في حق البشر، لهو أحد أخطر إفرازات النفوس المريضة، وهو ربيب الجهل، ألم يذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن من الاثنين الذين لا يتعلمان المتكبر. وإن من خراب الأمم أن يتخذوا رؤوسا جهالا، لا يستوعبون الدروس ويصمون الآذان ولا يفقهون، حتى لو قامت الملايين تصرخ في آذانهم “ارحل”؟!

لذلك نجد أنه عوض تلبية مطالب الشعب والمحافظة على دماء العباد واقتصاد البلاد، يظهر الحكام تشبثا غريبا بالسلطة، يصل إلى حد الهوس، كما رأينا مع النظام المصري السابق، وكما نرى اليوم مع قذافي ليبيا الذي يصل به جنونه المتكبر إلى حد أن ينزل بالمعارضين عن وصف الإنسانية إلى كونهم مجرد “جرذان” فقدت وجودها الإنساني، لما عارضو وانتفضوا. فدكتاتور ليبيا لا يرى وجودا لغيره، بدون استحضار وجوده قيد حياته، ووجود نسله وظله الباقي بعد مماته، إلا أن يكون المعارض حشرة تجري في شقوق الأرض..

وهو مثال واضح لما يمكن أن تصل إليه الأنانية المتكبرة، إلى حد أن تجعل من نفسها أكبر من أن تكون مجرد نظام حاكم، حيث ينأى القائد بنفسه عن أن يكون أي شيء في نظام البلد، إنه ليس بشيء لكنه كل شيء، بل إنه ربما تعالى، في ظنه، حتى على قانون الأشياء، الذي يلزمه أن يكون جسما محدودا ومحكوما بالزمان والمكان، ليرى من فرط الكبر والغرور، نفسه مجدا هائما وروحا بكل شيء قائما، فهو حاضر في كيان الدولة ومؤسساتها، واقتصادها وثرواتها، وفي أذهان الناس وتطلعاتهم، فلا تجد لكثير منهم سبيلا إلى رغبة إلا من خلاله، ولا استحضارا لرهبة إلا منه، وقد يسيء الواحد منهم ويتلفظ بما لا يليق في حق خالقه، لكن لا يجرؤ على مجرد تخيل النقد لحاكمه.

والحال أن الكائن البشري وهو مخلوق كباقي المخلوقات، مع استحضار التفضيل الإلهي المنعم عليه به، إن تكبر وظن أنه ليس كمثله شيء، فقد وقع في حمى يخسر فيه كل شيء، ويختلط عليه كل شيء، ويصير كأن لم يكن شيئا، طينا بلا روح، هواء يجري بلا صوت، كأنما نزع عنه التكريم ليعود إلى زمان “هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا” (سورة الإنسان-1)، فإن أضيف إليه عقوبة ما أحدث هذا المخلوق من كبر وتعد للحمى، رأينا فقط جسدا له خوار.

وسبحان الله المنزه عن الشبيه والمثال، فأين حفنة التراب من رب الأرباب.

لقد حاول الغربيون بما تواضعوا عليه من نظريات سياسية، تؤسس لمبادئ التعاقد بين الحكام والمحكومين والفصل بين السلط والتداول السلمي للحكم، أن يحدوا من رعونات النفوس الحريصة على التسلط، وشعوبنا اليوم، وهي تعيش ربيع الحرية والانعتاق، لا بد أن تستفيد من التجارب التاريخية، حتى لا تستفيق يوما على حر صيف استبداد جديد.

لذلك نرى أنه لا بد من استحضار جملة من الأمور، نذكر منها بإيجاز:

1- التأسيس لبناء مجتمع، ليس فقط يواجه الطغاة، بل ولا ينتجهم، وذلك بالحرص على التربية والتعليم المناسبين لتعهد النشء منذ البداية، وقبل أن يصطلي الجميع بنارهم في النهاية.

2- التنبه إلى المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وإعطاؤها ما تستحقه من الاهتمام، حتى لا يتحمل المجتمع تبعات تأثيراتها على الأشخاص، ليس فقط في أعلى الهرم، بل وفي كل المستويات ومناحي الحياة.

3- الطرح الجدي لقضية الأسرة، إذ عليها المعول، بعد توفيق الله تعالى، في المحافظة على الفطر، وخصوصا المرأة، فهي نصف المجتمع، وصانعة النصف الثاني.

4- إيجاد الإطارات الصالحة والتي تعطي البرهان الفعلي، على رغبتها في تأطير الشعب، لا مجرد السعي إلى كسب صوته الانتخابي، وتكون مكملة لدور الأسرة وباقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية.

5- تقوية العامل الذاتي لأبناء الشعب، ورغبتهم في المساهمة في الإنجاز، وفي المحافظة على المنجزات مع الاستفادة منها، تأتي القوانين مكملة وضامنة، وعلى رأسها القوانين الدستورية، التي لا بد أن تعمل على التوزيع المتوازن للسلطة، وتقطع مع تركيزها في يد واحدة، لأنها إن فعلت فكأنما قطعت اللجام للخيل الجامحة تعيث في الميادين فسادا.