تقديم بلا تقديس

معلوم أن نسبة الشباب في العالم العربي تفوق ثلثي عدد السكان (أكثر من 74% في المغرب مثلا، 70,4 منهم دون الثلاثين)، ومعلوم أن السياسات التقليدية “المقدسة” التي لا تزال أغلب الدول العربية تتمسك بها تمسُّك الأعمى بالعصا وتدعي بلا حياء أنها ترعاها رعايتها السامية لا تلامس تطلعات الشباب ولا تستجيب لمطالبهم ولا تعترف بمعاناتهم ولا تُقنع عقولهم. وعليه فإن هذه الفئة غير راضية عن طريقة تدبير وتسيير وتنظيم شؤونها العامة، إن سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو إعلاميا أو حقوقيا… أضِف ذلك إلى نصر الله الذي ينتظر من نصره وتمكينه الذي يؤتيه مَن استحقه… والبشائر تأتي تترى من كل قطر من أقطار هذه الأمة الموعودة بالنصر والتمكين والاستخلاف. ولم يعد بين الناس حول اليقين في التغيير اختلاف.

مواقف في شعارات

مِن رحم هذا الواقع المتناقض؛ سلطة استبدادية تحتوش النفوذ والمال بغير وجه حقٍّ في مقابل شعبٍ مستضعفٍ مقهور ومغلوب على أمره. خرجت انتفاضات الشعوب للتعبير عن موقفٍ جماعي إجماعي تجاوز الخوف والتردد واليأس، يتوخى من جهةٍ القطع مع كل أشكال الظلم والإقصاء والإهانة، ويسعى من جهة أخرى لبناء واقع مغاير قوامه العدل والحرية والكرامة.

نقرأ ذلك من خلال بعض الشعارات واللافتات التي رفعت خلال هذه الانتفاضات الشبابية المباركة 1 :

1. الشعب يريد إسقاط النظام/ الشعب يريد إسقاط الاستبداد: لأن إرادة الأمة تتناقض مع سياسة حُكامها المستبدين الذين اغتصبوا منصب الإمامة بالاحتيال والقمع والبَزّ والوراثة.

2. الشعب يريد دستورا جديدا/ الشعب يريد تغيير الدستور: أغلب الدساتير العربية ممنوحة بطريقة تحتقر الشعوب وتلغي إرادتهم وتغيب حقهم كلية. ففي المغرب مثلا وُضع الدستور ممنوحا بطريقة انفرادية تألهية لم تنبثق عن جمعية تأسيسية أو مجلس تأسيسي أو لجنة منتخبة كما هو الأمر في وضع الدساتير الديمقراطية.

3. الشعب يريد إسقاط الفساد: الشعوب العربية أعياها مكر المفسدين وتجبرهم على العباد وطغيانهم في البلاد بدءا بالفساد السياسي المتمثل في الحكم الديكتاتوري الفردي الوراثي، إلى الفساد المالي حيث تحتوش حفنة الحكام أموالا طائلة بينما تقبع الأغلبية العظمى في الحرمان والفقر والأمية والحاجة، إلى الفساد الإداري والأخلاقي وهي توابع الفساد السياسي.

4. لا رعايا لا قداسة… الشعب يختار الساسة: أخطر ما يعطل الإصلاح ويحمي الفساد هو تقديس الحكام واعتبارهم آلهة لا يخطئون أو أنصاف آلهة بُعثوا ليقودوا الرعاع والغوغاء ويعلموهم العدالة كما كان يدعي آلهة اليونان. أصنام يُعبدون في الأرض من دون الله، ولا يسمحون بمساءلتهم والاعتراض عليهم أو حتى مناقشة خطابهم… بل لا يجوز أن يعارضهم ولو شخص واحد!!! سبحان الله ما أجمل حِلمه.

المقدس هو الله. يا عبيد الله…

5. نريد حاكما يختاره الشعب ويحاسبه: شعار كهذا يلخص مطلبا عزيزا في واقع مكروه، يستأسد فيه الحاكم العربي ويعتبر نفسه فوق الحق والقانون والشعب والدين وكل شيء. لا يرضى أن يختاره أحد ولا أن يعارضه أحد ولا أن يفوته أحد (العالم الأول، الفنان الأول، الرياضي الأول، المؤمن الأول، الجندي الأول، المربي الأول، القاضي الأول…) هو التشريع والتنفيذ والقضاء، هو الحق والقانون والدين… وأكثر من ذلك يسعى عبر آلاته الإعلامية والاستخباراتية وهيئاته السياسوية إلى ترويج فكرة باطلة مؤداها: أن الشعب مُجمِع على قداسته وعلى قيادته الأمة إلى الموت وحتى بعد الموت سيترك لنا بركة القيادة والقداسة عند ابنه الذكر الأكبر!! وأن غيابه يعني الفوضى والنزاع والحرب وقيام الساعة!! كما صرح فرعون مصر المخلوع ومجنون ليبيا المتهور.

6. لا للجمع بين السلطة والثروة/ لا للجمع بين الإمارة والتجارة: الحكام العرب استغنوا غنى فاحشا وكدسوا أموالا طائلة من ثروات الأمة من غير وجه حق، ولم يقدموا لنا نماذج صالحة زاهدة مما في أيدي الناس ليقتدي بها الجميع، بل صنعوا عصابات مطلقة اليد في خيرات الأمة تحميها سلطة واسعة من كل سؤال أو متابعة. في حين يعيش المواطنون حياة البؤس والبطالة والمعاناة إنْ في البادية أو في المدينة، إن في شمال الإذلال أو في جنوب الإهمال…

7. “المغرب” أرضي حرة والمخزن يطلع برة: بهذا الشعار استشعر الشباب أن الشعب مصدر السلطة وأن إرادتهم حرة ولهم الاستعداد الكامل للدفاع عن أرضهم وجميع ثرواتهم كما دافع عنها آباؤهم وأجدادهم وأدوا على ذلك ثمنا باهظا. أما السلطة المستبدة بالمال والقمع والمساومة والتخدير فأولى بها أن تتنحى أو تُطرد غير مأسوف عليها…

8. زِيرو الحكومات العربية… زِيرو الحكومة المغربية: فعلا لا يمكن لحكوماتٍ غير شرعية إلا أن تكون “زيرو” والواقع يشهد بالتقارير الواضحة الفاضحة… العجز والخسران في جميع الميادين: التعليم، الصحة، الأمن، الأخلاق، التنمية، الحقوق، القضاء… سياستهم الفاشلة أضحكت علينا أهل الدنيا.

9. ارحل…ارحل…ارحل: شعار رائع ملخص لجميع المطالب الشعبية للأمة من حاكمها المتجبر المنفرد بالسلطة المتعالي الذي لا يقبل الحوار ولا التنازل ولا الديمقراطية…آخر الدواء الكي…

10. عليك أمان عليك أمان… لا حكومة لا برلمان: لما يفسد الأصل لا طعم للفرع، لما ينفرد الحاكم بالسلطة المطلقة لا خير يرجى من حكوماته وبرلماناته وزبانيته وتعليماته وجولاته وكلامه وشعاراته…

11. بالوحدة والتضامن اللي بغيناه يكُون يكُون: بلغ الشباب إلى درجة عالية من الوعي تتمثل في ضرورة الوحدة والتعاون بين جميع المكونات والفعاليات السياسية والنقابية والجمعية والتوجه الكلي لرأس الفساد قصد إصلاحه إصلاحا جذريا كي تنصلح معه التوابع والروابط…

خاتمة

نخلص في نهاية هذا الموضوع إلى أن حركية الأمة مدعومة بشبابها تريد إرادة صادقة إحداث تغيير حقيقي يلامس جوهر الأشياء لا محيطها. لذلك كان سقف مطالب هذه الانتفاضات المباركة في الوطن العربي عاليا لا يقبل الاختزال في تكفف الحاكمين خُبزا ومِلحا، بل يتوجه بتركيزٍ إلى مصدر القرار يسائله ويخلخل جنونه وكبرياءه. ويضعه بين خيارين: إما الاعتراف والمراجعة والمصالحة والبناء من جديد وفق ميثاقٍ جماعيٍ واضحٍ أو مواجهة سلمية كبرى تستقبلها جحافل القمع بالبطش والتقتيل فتصمد وتتحمل حتى يتحقق النصر، وذلك واقعٌ لا محالة…


[1] أغلب هذه الشعارات موحدة بين جميع الشعوب العربية، وبعضها يخص المغرب…\