اعتصامات ونضالات

تنفذ فئات متعددة من نساء ورجال التعليم اعتصامات أمام وزارة التربية الوطنية بالرباط، حتى لقد غدا “باب الرواح” شبيها بالمزار تحج إليه الناس من كل حدب وصوب، ترجو بركة “الولي” القائم بأمر التربية والتكوين في هذا البلد العجيب، من هذه الفئات الدكاترة والأساتذة المجازون، وأصحاب الماستر والعرضيون، وأهل التربية غير النظامية ومن اختيروا لسد الخصاص، وغير هؤلاء ممن تجمع بينهم رابطة الانتماء لأسلاك التعليم والتربية على اختلافها وتنوعها.

قمع واعتقالات

يرفع هؤلاء جميعهم مطالب مشروعة، وبأساليب أجمع الكل أنها غاية في الرقي والتحضر، إلا أن الاستجابة لهذه المطالب كانت على مستويين، مستوى أول قادته الوزارة من خلال “خلطة عجيبة ” هي أجزاء من المراوغة الماكرة وإخلاف العهود ونقض المواثيق الممزوجة بأصناف من الصمم والبكم والخرس التي لم تعر بالا لأكثر من شهر من الاعتصام المفتوح في ملف الدكاترة مثلا، ولآلاف المتعلمين الذين لا يلتحقون بأقسامهم، واجمع هذه الأصناف إلى تلك الأجزاء لتخرج بكل ما يخطر ببالك من دركات الاستخفاف واللامسؤولية والعبث بمصير الأمة وبأثمن ما تملكه الشعوب التي تحترم أنفسها. أما المستوى الثاني فقادته قوات القمع ضد أطر البلاد، حيث سلط المخزن العتيد المتمرس في خرق حقوق الناس زبانيته ليبطشوا برجال التربية والتعليم ضربا وشتما وسبا واعتقالا في صور مأساوية تدمي قلب كل ذي إحساس.

حقائق تتأكد

بفعله الإجرامي هذا، يتأكد لكل ذي لب أريب أن مفاهيم حقوق الإنسان والديموقراطية، وغير ذلك من الشعارات البراقة التي يتشدق بها المخزن المغربي الجديد تتكسر على أرضية الواقع، ومحك الميدان ليغدو الواقع الحقيقي المعيش بعيدا كل البعد عن الواقع الكلامي التلفزي الدعائي.

مرة أخرى يتأكد لكل من لم تسكره الخطابات المنمقة أن المخزن لا عهد له، ولا ذمة له، وأن كلام ليله الأليل البهيم يمحوه نور النهار البهي، فهو في وعوده وعهوده لمن يرتجي نواله وعطاياه كما قال الشاعر: يحتاج من يرتجي نوالكم *** إلى ثلاث بغير تكــذيب
فكنز قارون أن يكون له *** وعمــر نوح وصبر أيوب
إن خطورة الفعل المخزني تكمن في أنه أهان نخبة المجتمع، وعلية القوم معلمي الناس الخير من تستغفر لهم المخلوقات حتى الحيتان في البحر. فهو على هذا يعطي المثال للإنسان الذي يرجوه، وللمجتمع الذي ينشده.

إن واقع المعتصم في الوزارة والكم الهائل والمتنوع المناضل فيه يكشف أوهام البرنامج الاستعجالي في مزاعم محاربة الهدر المدرسي ومراعاة التميز ومحاربة الأمية.

إن الذي يؤرق حكام هذا البلد الأمين ليس شعارات الواجهة المجموعة في عبارة “إصلاح التعليم” إنما الذي يؤرقهم أن ترتفع هامة تطلب عدلا وحرية وكرامة، وترجو انعتاقا من ربقة الذل والمهانة والمنح والعطايا،وما عليكم يا رجال التربية والتعليم إلا أن تتحولوا إلى حراس تحتجزون لنا التلاميذ في زنازين الفصول حتى لا يؤرقوا أمننا نحن الجاثمين على صدوركم.

الاستبداد والعلم

إن الذي على رجال التربية والتعليم أن يوطنوا أنفسهم على وعيه، هو أن مأساتنا في هذا البلد تتلخص في كلمة واحدة هي الاستبداد، حيث إن المستبد يكره العلم ويبغض العلماء. وأترك الحكيم الكواكبي يترجم عما في دخيلة النفس:

– إن المستبد كما يبغض العلمَ لنتائجه، يبغضه أيضاً لذاته، لأن للعلم سلطاناً، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عيناه على من هو أرقى منه علماً، ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق.

– إنَّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.

– إنَّ الاستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فكلُّ إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار النّاس، والغالب أنَّ رجال الاستبداد يُطاردون رجال العلم وينكلون بهم.

– والحاصل: إنَّه ما انتشر نور العلم في أمةٍ قطّ إلا وتكسَّرت فيها قيود الأسر، وساء مصير المستبدّين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين).