تُقابل دعوات التغيير في غالب الأحوال بالرفض من المُستفيدين من الوضع القائم؛ فدعوات الرسل – كما قص القرآن قصصهم عبرة – لقيت إنكارا وتكذيبا وَوُوجِهت بكل الطرق والوسائل المتاحة، حفاظا على واقع وُرث عن الآباء والأجداد يحرُم العُدول عنه إلى ما يُناقضه، ولم يُكتف بإيذاء و”قمع” الرسل بل طال المستجيبين لهم. ودعوات التغيير عبر التاريخ عرفت نفس الإجابة والرد إلا ما ندَر.

بعد طول سُبات غطت فيه الشعوب العربية الرازحة تحت نِير حكم الجبر والاستبداد، وبعد صفعات القدر في فلسطين والبُوسنة والهِرسك والشيشان والعراق…، وبعد نصر الله للمقاومة في لبنان وغزة، استفاقت لتفُك قيود الخوف المسيِّجة للنفوس وتكسر أغلال الوهن المكبِّلة للقلوب، فتطالب بالتغيير الجذري الشامل، وامتزج في المطالب الاقتصادي بالاجتماعي بالسياسي، فلا انفصال بينها في وعي الشعوب. نجحت الهبَّتان التونسية والمصرية – كلَّلهما الله بالنجاح التام – وهبَّات أخرى في طريقها إلى النجاح.

لا أحد يُزايد في كون مطالب الشعوب المنتفضة مشروعة وتُعد من حقوقها الأساسية التي لا حياة كريمة بدونها، لكن رغم مشروعيتها تواجه بالعنف والقمع لغةِ الدم؛ فلا يرقُب الحكام في الشعوب إلاَّ ولا ذمة، تجلى ذلك بوضوح في ليبيا الصامدة التي سِيمت من القذافي- إسم على مسمى- سوء التقتيل والتنكيل ما لا يقبله عقل ولا ترضاه فطرة إنسانية.

في بلدنا الحبيب المغرب كان القمع إحدى عناوين الرد على المطالب الشعبية، رفعت العصا في مظاهرات عدة في وجوه المتظاهرين السلميين العزَّل. فهل الحِنكة و”الحكمة المخزنية” تُملي عليه هذا السلوك؟ أم أن الأمر طبيعي وُلد من رحم الاستبداد؟ أما زال الحنين إلى إسكات الأصوات المطالبة بالتغيير وإسالة الدماء؟ أما آن الأوان للعدول عن المقاربة الأمنية؟

لا يُفهم من نهج النظام المغربي أسلوب العنف سوى أمرين:

أولهما: إرهاب الشعب لئلا تُسوِّل له نفسه الاستمرار في التظاهر السلمي مطالبة بالتغيير، وكأنه مطمئن إلى أن هاجس الخوف من عصا المخزن ما زال ساكنا في الأفئدة.

ثانيهما: تنبيه غير مباشر للأحزاب القابلة بشروطه السائرة في ركابه اللاعبة في حلبته من أن تُلقي بالا لنداءات الشعب ومطالبه بلْه أن تنخرط معه وتضم صوتها إلى صوته.

إنه من الغباء والبلادة أن يُصِّم النظام المغربي آذانه عن مطالب الشعب المشروعة، ويُغمِض عينيه عن واقعه المُزري، ولا يعي بعقله ضرورة التغيير الجذري إصلاحا لفساد طال أمده وبلغ مدى لا مجال معه للإصلاحات الجزئية والترقيعات المحدودة زمنا وأثرا. الشعب نفذ صبره؛ فالشباب العاطل والمعطل ينتظر شغلا أمام شح مناصبه، والفلاح الصغير ينتظر إنصافا أمام دهاقنة الإنتاج والتسويق، والمواطن الذي تعطل الإدارة مصالحه أو تؤخر قضاءها ينتظر إصلاحا لها، والأجير الحر ينتظر ضمان حقوقه وكرامته، والموظف ينتظر تحسين وضعيته، والمريض ينتظر خدمة صحية مجانية، والمتقاعد – الذي أفنى زهرة شبابه ورجولته في خدمة بلده- ذي المرتب الهزيل ينتظر إنصافا واعترافا بالصنيع، والصحفي الحر ينتظر حرية إعلامية…

الشعب يريد “استعجالا” في تطليق الاستبداد، وفي توفير الحرية، وفي تحقيق العدالة الاجتماعية، يريد تغييرا جذريا يقطع مع حِبال الفساد المُستشري في كافة الأصعدة، يريد تغييرا مرسومة بدايتُه واضحة معالمُه محددة مراحلُه مضمونة نتائجُه، على عينه وسمعه وبمشاركة واعية فاعلة منه، تغييرا يشارك فيه كل من له غيرة على البلد، يدرك واقعه المتردي ويستعد استعدادا نفسيا وفكريا وعمليا للمساهمة في الإصلاح.

إن أسلوب القمع عفَّى عليه الزمان ولم يعد مُجديا أمام هبَّة الشعب التي تعرف ارتفاعا في نسبة المشاركة، فقد ضاق ضرعا بالظلم والاستبداد، وينشد العدل ويتشوف للحرية. وما هبَّة 20 مارس السِّلمية -في غياب تدخل الأمن- التي اتَّسمت بالنضج والوعي والانضباط عنا ببعيد. فكل خرق يُرصد وكل قمع يُسجل. ألا فانتهوا!