“الرّسَكْلَجََةُ” ترجمة حرفية عن الفرنسية لكلمة: “recyclage” وتعني عند التونسيين إعادة التأهيل. ويبدو أن المغرب وفي إطار ما تفرزه حركة 20 فبراير من دينامية شعبية في أمس الحاجة لإعادة تأهيل أجهزته المختلفة لاسيما الأمنية والإعلامية. ففي أوج التسويق للوعود بصيغة ثانية لعهد جديد، جاءت أحداث 13 مارس ـ وعملا بقاعدة: “الطبع غلاب” ـ لتبرز المسافة الضوئية بين شعارات الخطاب وبين الواقع المخزني الذي بُرْمِج “رجالُه” وأجهزته وإعلامه على إهانة الشعب والاستخفاف بوعيه وذكائه. أجهزة تؤدى أجورُها من جيوب الشعب تتنافس في النيل من كرامته ـ أو قل ما بقي من كرامته ـ بالضرب والشتم السوقي كما وضحته بجلاء أحداث 13 مارس بالدار البيضاء وخريبكة على وجه الخصوص.

الحاجة ـ اليوم ـ أكثر من ملحة لأن يسارع المخزن “لِرَسَكْلَجة” شاملة لأدواته القمعية تعبيرا عن حسن النية. وهي عملية تتطلب وضع برنامج متكامل يمكن أن نحدد معالمه الكبرى قصد الاستئناس فيما يلي:

1. إخضاع “رجالات” المخزن لعملية مسح الدماغ، وبلغة الشباب: Formatage

2. دورة تكوينية تتمحور حول حقوق الإنسان والتربية على المواطنة.

3. تربص للتدريب والتمرس على تطبيق حقوق الإنسان ومقتضيات المواطنة.

4. زيـارات ميدانية لدول عريقة في احترام حقوق الإنسان وإنجاز تقارير عن علاقة الأجهزة الأمنية فيها بالمواطن.

5. اختبار تجريبي عملي لقياس درجة الاستيعاب من خلال تكليفهم بمراقبة تجمع احتجاجي ورصد ردود أفعالهم وتقاسيم وجوههم ووتيرة نبضات قلوبهم.

أما الجهاز الإعلامي بأنواعه فعلى مسقطي الطائرات فيه أن يخضعوا لعملية مسح الدماغ أيضا لإتلاف المعجم التمجيدي للنظام وتحويل الحبة قبة كما في التعبير العامي، وعيادة طبيب العيون لإزالة “الجْلالة أو الغِشاوة” التي تمنعهم من رؤية الحقائق على الأرض، والانخراط في برنامج تكوين ذاتي، يتابعون فيه النشرات الإخبارية والبرامج الحوارية المباشرة الحقيقة في الدول الراقية ديمقراطيا، حيث لا يتورع المتدخلون من نقد سياسة الحاكم، لا البرامج الحوارية المفبركة المسجلة التي تحدد فيها الخطوط الحمراء سلفا، فلا يتجاوز النقاش سقفا معينا، ويُحذَرُ ذكرُ أسماء أو هيئات محددة إلا رمزا بهدف النيل من مصداقيتها.

المطلوب اليوم أن تتحول أجهزة المخزن بـ180 درجة، لتصبح مُواطِنة تخدم الشعب وتؤمنه لا أن تقمعه وترهبه، وهذه عملية ليست سهلة، لا من حيث بعدُها السياسي فقط، بل من حيث بعدها السلوكي؛ فمن شب على ضرب المواطن وشتمه واعتقاله وتعذيبه وسلب حقوقه وعيا منه ألا أحد سيسائله، كيف يرعوي عن هكذا سلوك تجذر في لاوعيه بين عشية وضخاها؟ لذلك سيكون محبذا فتح الباب أمام من يرى نفسه غير قادر من الأجهزة الأمنية والإدارية على “الرّسَكْلَجََة” للمغادرة الطوعية اعترافا بما قدموه من خدمات للمخزن.

كيف تتحول الأجهزة الأمنية مُواطِنةً لتصبح في خدمة الشعب وتسهر على أمنه؟ هل تنجح الأجهزة الأمنية في التخلص من احتياطها القمعي الاستراتيجي؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي على النظام السياسي أن يكسب جولاته الأولى لتكون مؤشرا على حسن النوايا، وما محطة 20 مارس عنا ببعيد، فماذا أنت فاعل أيها المخزن؟