النفاق أخطر الأمراض التي ابتلي بها بنو الإنسان، فالمنافق ذو الوجهين لا يؤمن مكره، وقد جعل الله مصيره في الدرك الأسفل من النار… نعوذ بالله من النفاق، ونعوذ بالله من حكام يسوسون الناس بالنفاق…

على امتداد عقود الانتكاسة التي عاشتها الشعوب العربية والإسلامية، ظل النفاق أسلوب الحوار الوحيد بين حكام يعتبرون الشعوب عاجزة عن فهم حقيقتهم، وبين شعوب تظهر للحاكم حبا مزيفا دوافعه الخوف والرجاء والتملق، نفاق في نفاق…

شعبي العزيز!!؟

ما أقبحها من عبارة يدبج بها حكام العرب خطاباتهم، تخرج من فيهم باردة برودة الصقيع الذي يقتل الملايين من أبناء “شعوبهم” المفقرة في أعالي الجبال، عبارة تجمع إلى برودتها القاسية استغباءً كبيرا وضحكا على الذقون.

“أيها المواطنون الأعزاء” عبارة رددها مبارك على أسماع الشعب المصري طيلة ثلاثة عقود من الحكم، لتفضح انتفاضة الشباب في ميدان التحرير الحقيقة الكاملة: سبعون مليار دولار ثمن “المعزة” الكاذبة، حب لثروات الشعب ومعزة لأموال الأمة التي ينهبها الحكام وحاشيتهم الفاسدة، ليراكمو ثروات خيالية جعلتهم في أعلى تصنيف أغنياء العالم، مثلما جعلت الشعوب في أعلى التصنيف كذلك، لكن في قائمة الدول الأكثر فقران وحرمانا.

فمن علامات حب الحاكم لشعبه، أن يجوع الشعب ليعيش القائد حالة البذخ، وأن تترامى قصور الرئيس في كل مدينة ولا يجد المواطن أربعة جذران يقي فيها نفسه وأسرته من التشرد والارتماء إلا أفاعي المضاربة العقارية وسماسرة الحياة!

ويبقى التساؤل المشروع: هل يجب أن ننتظر سقوط الحكام لنكتشف حقيقة حبهم لشعوبهم كما يزعمون في ديباجة كل خطاب؟

فعلها العقيد،

يتداول عموم الناس بعض العبارات التي تفيد أن منبع الحقيقة في الخطاب اللاواعي، فمن السهل أن تحصل على الحقيقة من فم السكران، حيث يعطل السكر القدرة على تزييف الحقائق، كذلك الحمق! إن حمق القذافي ساهم في فضح جانب من جوانب شخصيات الحكام وطريقة تفكيرهم والصورة الحقيقية التي لديهم عن الشعوب.

فقد سقطت عبارات “شعبي العزيز” وما شاكلها من عبارات النفاق البين، لتحل مكانها الحقيقة دون تزييف: والحقيقة كما يراها القذافي أن الشعوب جرذان! نعم جرذان، جرذان لا تصلح للعيش إلا إذا كانت تموت حبا في الزعيم ! رعاع، قالها مبارك، أوباش قالها الحسن الثاني، ولائحة النعوت والتصنيفات جاهزة لتوصيف كل خارج عن “الإجماع”، فالعمالة للأجنبي ـ مثلا ـ هي سمة كل تحرك مناهض للظلم والقمع، والأجنبي هنا قد يكون أمريكيا أو إيرانيا أو أفغانيا، لا فرق، فالقاعدة عندهم: معي أو أنت عميل.

هي إذن بعض من أوصاف الشعوب كما يراها ناس من غير طينة “الأوباش”، ناس هم “المجد”، وهم السادة والملوك وغيرهم الرعايا والرعاع.

أنا أو الفوضى!

ذهنيات مريضة، تولد كبرا مقيتا يصبح معه الحاكم فرعونا حقيقيا يقول بلسان تدبيره “أنا ربكم الأعلى”، أنا الضامن لاستقراركم والحامي لملتكم ودينكم، بحكمي “وحدي لا غير” تبقون أمة موحدة وبغيابي تعيشون الفقر والجوع وتحكمكم القاعدة وتشيكيفارا.

بصورتي في نقودكم، وخطاباتي في إعلامكم واتصالاتي مع عواصم العالم يأتيكم القمح والدعم والمساعدات، وبرحيلي عنكم تعم الفوضى وينتشر السلاح ويضيع قوت العيال!

ما أعظمه من كبر يجعل الحكام واهمين، كما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية في حق القذافي، وهم العظمة والمجد والفرادة في الكون!

ألم يحكم الأمم أحد قبل مجيئهم؟ ألن يجد الناس من يحكمهم بعد رحيلهم؟ أم أن الأمة أصبحت عاقرا لا تلد ناسا بمثل “ذكائهم”؟ هل الذكاء فعلا هو ما أهلهم للتسلط على شعوبهم؟

الأكيد أنهم ليسوا الأكثر نباهة، فقد بقي بنعلي أكثر من ثلاثة عقود دون أن يفهم الشعب التونسي، وحين فهمه كانت النهاية. والأكيد أنهم ليسو الأفصح لسانا، فمعظمهم يقرأ وريقات الخطابات ـ التي يعدها صناع الكلام في البلاط ـ وهو يتتعتع فيها. والأكيد كذلك أنهم ليسوا الأكثر شجاعة، فعجزهم في قممهم ـ المهزلة ـ عن اتخاذ أي قرار يغضب “عدوهم” ـ أو كما يوهموناـ يعد أكبر دليل على حالة الانبطاح التي تعكس جبنا كبيرا وخوفا على مصالحهم المادية الشخصية، ولتضع كرامة الشعوب وعزة الأمة هباء.

شكرا سعادة العقيد، فرغم المذابح البشعة التي ترتكبها في حق الشعب الليبي الصامد، فإنك أسديت للأمة خدمة جليلة، حيث صرحت بما لم يستطعه غيرك من زملاء “الحرفة”، والدور الآن على الأمة لتقطع مع زمن النفاق ولا يهدأ لها بال حتى ترميكم جميعا إلى مزبلة التاريخ، وساءت مصيرا…