كانت الأنظار مشدودة، على غير العادة، إلى التلفزيون العمومي يوم التاسع من مارس لمتابعة الخطاب الملكي. وقد كان لهذا الاهتمام أكثر من مبرر، فهو خطاب أعلن عنه بشكل مفاجئ وبدون مناسبة، وهذا أمر ارتبط في عهد محمد السادس بإعلان مبادرة أو اتخاذ قرار على قدر كبير من الأهمية والاستعجال. وهناك سوابق في ذلك، منها الخطاب الذي أعلن فيه الملك عن الشروع في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والخطاب الذي أعلن فيه عن تشكيل اللجنة الاستشارية حول الجهوية الموسعة، ولذلك ظل الكل ينتظر طبيعة هذه المبادرة. والمبرر الثاني يتجلى في السياق المتسم بتنامي موجة الاحتجاجات في الساحة العربية المطالبة بإصلاحات جذرية، وصلت في بعض البلدان إلى حد إسقاط أنظمة. والمبرر الثالث هو حجم انتظارات الرأي العام الذي كان يعتبر هذا الخطاب ردا مباشرا على الاحتجاجات التي عرفتها بلادنا منذ 20 فبراير.

إن هذا الخطاب وحجم التعليقات حوله وطريقة الاحتفاء بمضامينه لدى جزء من الطبقة السياسية يؤكد أن لا فاعل في المشهد السياسي سوى الملك، وأن كل الهيئات والمؤسسات تابعة ومنفذة ولا تحسن المساهمة في صناعة القرار.. ولذلك لاحظنا مسارعة الكثيرين إلى نعت الخطاب بكونه «ثورة» أو «تاريخيا» أو «فوق الانتظارات»، بل هناك من جازف بالقول إنه مؤشر على الدخول في ملكية ثانية أو انتقال بالنظام السياسي المغربي من الملكية التنفيذية إلى الملكية البرلمانية. وهذا ليس جديدا على مشهدنا السياسي الذي اعتدنا من الفاعلين فيه هذا النوع من التصريحات المتسرعة التي سرعان ما تتضح حقائقها وتنكشف مفارقاتها أو تناقضاتها، ولست في حاجة إلى التذكير بشعارات «المفهوم الجديد للسلطة» و«العهد الجديد» والفشل الذي لقيته مدونة الأسرة والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وانتخابات 2007 و2009 وغيرها.

أستسمح أصحاب هذه التصريحات في التعقيب على هذا التسرع وإطلاق الأحكام حول أفكار عامة ومبادئ ليست هناك ضمانات ملموسة مرافقة لها، وألتمس من الجميع التريث بعض الشيء والتفكير مليا في كل المآلات الممكنة التي ستترتب عن هذا الخطاب الذي يمكن أن يرهن مستقبل البلاد.

ألا يرى هؤلاء أن المنطق يقتضي كثيرا من التحفظ بسبب غياب تفاصيل حول سبل أجرأة الكثير من الوعود؟

ألا يرى هؤلاء أن المرحلة تستلزم تجنب الارتسامات العاطفية إلى نوع من التحليل المنطقي والتشريح العلمي لمضامين هذا الخطاب بدون تهوين أو تهويل؟

ألا يعتقد هؤلاء أن زمن التهليل والتصفيق والمباركة ولى إلى غير رجعة، وأن من أول مقتضيات التغيير الاقتناع بأننا كمواطنين غير محكومين بعقد إذعان؟

ألا تستحق مقترحات هذا الخطاب المقارنة بمطالب الشارع لنعرف حجم الاستجابة وشكلها وعمقها، وحينها يمكن إصدار حكم بناء على مؤشرات؟

ألا يرى هؤلاء أنهم بمباركتهم المطلقة يسلمون إلى لجنة معينة لم تتحدد بعد تركيبتها ولا اختصاصاتها ولا منهجية اشتغالها؟ وبالمناسبة، فإن المطلع على تشكيلة اللجنة لا يمكنه إلا التخوف على المسار الذي ستنحوه أعمالها لأنها مكونة من بعض الأسماء المحسوبة على جناح في «الدولة» مسؤول عن المآسي التي وصلت إليها بلادنا، ويخشى أن يشكل بعض أعضائها النزهاء والخبراء أقلية مغلوبا على أمرها.

إن خطاب 9 مارس كان «ثورة» و»فوق الانتظارات» بالنسبة إلى طبقة سياسية ألفت تلقي القرارات من فوق، وتعودت على الاستجداء وتقديم المذكرات السرية مشفوعة بعبارات التزلف والولاء، ولا قدرة لها على المجادلة فأحرى «قلب الطاولة». وإن خطاب 9 مارس مقدمة لبناء ملكية ثانية بالنسبة إلى أولئك الذين ألفوا لعب دور الفاعل الثانوي في المشهد السياسي ولا حرج عندهم في الانتقال إلى ملكية ثانية بدستور معيب شكلا ومحددة مضامينه مسبقا وموضوعة خطوطه الحمراء من طرف واحد لأنهم ألفوا الانصياع الطوعي.

أما الحقيقة فتؤكد أن الخطاب الملكي كان مجرد استجابة ناقصة ومختزلة ومتأخرة لبعض مطالب الشارع لاعتبارات عديدة منها:

لقد كانت مطالب المحتجين سياسية واقتصادية واجتماعية، ولم يجب الخطاب إلا عن شق من المطالب السياسية وبسقف أدنى مما طالبت به حركة 20 فبراير.

لقد كان المطلب السياسي هو دستور جديد بجمعية تأسيسية منتخبة، بينما اقتصر الخطاب على تعديل دستوري بمنهجية قديمة تقوم على التعيين والتوجيه والتقييد.. وحتى أولئك الذين طالبوا بملكية برلمانية لم يكن الخطاب في حجم انتظاراتهم لأن تقوية الصلاحيات التشريعية للبرلمان والصلاحيات التنفيذية للوزير الأول ودسترة المجلس الحكومي لا تعني ملكا يسود ولا يحكم طالما أن الملك لم يتنازل عن اختصاصاته التشريعية والتنفيذية التي تخولها له فصول الدستور، وفي مقدمتها الفصل 19 الذي يعتبر دستورا وسط الدستور. وقد كانت الرسالة واضحة حين تم تأسيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أياما قبل الخطاب، بمقتضى هذا الفصل دون المرور عبر البرلمان. أليست في هذه الواقعة رسالة؟

إننا، على هذا المستوى، سنعيد إنتاج تجربة التسعينيات حين حرصت الكتلة الديمقراطية في مذكرتها على تقوية صلاحيات المؤسسات دون الانتقاص من صلاحيات المؤسسة الملكية، فأنتجت تعديلاتُ 1992 و1996 سلطة تنفيذية وتشريعية برأسين مع أفضلية وهيمنة لاختصاصات الملك. ولذلك فسقف المقترحات المعلن عنها لا يصل أبدا إلى الملكية البرلمانية، وليس هناك من داع أمام هؤلاء إلى توقيف الاحتجاجات إن كانوا مقتنعين بما يطالبون به ومستوعبين أن السياق العام والظرفية الإقليمية في صالح حركة الاحتجاجات التي يمكنها وحدها صناعة ميزان قوى بإمكانه تحقيق مكاسب حقيقية قادرة على إدخال بلادنا إلى نادي الدول الديمقراطية. على الجميع أن يستوعب أننا ما زلنا بعيدين عن الدستور الديمقراطي، شكلا ومضمونا، الذي يكون فيه الشعب وحده مصدر السلطات ويختار بمقتضاه من يحكمه ويحاسبه.

وعلى المستوى الاجتماعي، طالب المحتجون بالتوزيع العادل للثروة والحق في الشغل والصحة والتعليم، وهي كلها مطالب لم يتم التجاوب معها إلى حد الآن.

وعلى المستوى الاقتصادي، طالب المحتجون بفصل السلطة عن الثروة ووضع حد لاقتصاد الريع ومواجهة الفساد وعدم الإفلات من العقاب، والخطاب الملكي لم يتطرق إلى أي تفاصيل في هذا الباب ولم يحدد آجالا زمنية ولا أهدافا ملموسة. وطالب المحتجون، الذين أجمع الكل على مشروعية حركتهم ومطالبهم، بالتخلص من بعض المقربين من الملك، ولكن تركيبة اللجنة وبعض التصريحات المتسربة تؤكدان أن لا تغيير ولا جديد بهذا الصدد.

وطالب المحتجون بحوار وطني مفتوح وبدون خطوط حمراء، ولكن تسييج الحوار بثوابت لم تناقش وحصر الاستشارات في الأحزاب الرسمية، التي يعتبرها الشباب سببا في الأزمة، يعاكس هذا المطلب، بل إن طريقة التشاور تؤكد أنها يحكمها منطق الإنصات وفق قاعدة «لكم حرية التعبير ولنا صلاحية التقرير».

لكل ما سبق، نجزم بأننا في مفترق طرق والطريق أمامنا، لبلوغ الدولة الديمقراطية، ما تزال طويلة، وما على المجتمع إلا الاستمرار في يقظته وحركته السلمية الضاغطة من أجل تغيير ميزان القوى لفائدة منطق التطور والتغيير عوض الاستمرارية التي أثبتت أنها عاجزة عن إدخال بلادنا إلى نادي الدول المعاصرة والديمقراطية.