لابد أن ندرك أن ما يعرفه العالم ويشهده من رياح التغيير التي هبت على المنطقة العربية والإسلامية ليس عبثا أو سحابة صيف، أو طارئا حصل من دون سبب، إنما هو تغيير دقت ساعته فهو لا يحتمل التأخير، وقانون تاريخي لا يتخلف عن الموعد، وسنة إلهية كونية جارية لا تحابي أحدا، لكن ما لم ندركه بعد هو أن نجد من لا يعتبر بما حصل في الماضي من تشابه الأحداث، وبما يقع حوله من وقائع تؤدي إلى نفس النتائج.

المغرب، هذا البلد العظيم بشعبه والعظيم بخيراته، لا ينكر أحد أنه إن استمر بالسياسة الرسمية الحالية فوجهته لا قدر الله إلى الغرق، التقارير من الداخل ومن الخارج تشهد على هذا، والتحليلات من قبل الكتاب والمحللين تؤكد الحقيقة المرة، والتوقعات من طرف المتخصصين في الدراسات المستقبلية تحذر من الاستمرار في مثل هذه السياسة الفاشلة منذ زمان. لكن الغرابة كل الغرابة أن نجد في الساحة من يسكت عن أسباب الغرق، ويبارك القمع والتضييق على الأصوات الحرة المنادية بالإنقاذ قبل فوات الأوان.

إن هؤلاء الذين يبذلون مجهودا جبارا لمحاربة الظلم والاستبداد، ويخدمون الشعب بما يملكون من إمكانيات، هؤلاء يحبون الوطن حقيقة ويريدون له التقدم والسعادة. هؤلاء ينبغي أن يفتخر بهم، وأن يكونوا على رأس من يعترف بجميلهم بفتح مجال العمل وقنوات الحوار. أما من يداهن ويغازل ويبارك من أجل تحقيق مصالحه على حساب مصالح الشعب وحقوقه، ويبارك من يوسع ثقوب السفينة ليعجل بالغرق، هؤلاء لا يحبون الوطن وإن صرحوا به فهم ينافقون سياسيا.

فما يعلن عنه الشباب اليوم من مطالب مشروعة في الشارع ويعبرون عنها بطرقهم السلمية والحضارية إنما يدل دلالة واضحة على أنهم أدركوا بما لا يدع مجالا للشك أن السفينة متجهة نحو الغرق، وأنهم أول من يتعرض لهذا الغرق، ذلك أنهم محرومون من الحرية ومن الكرامة والعيش الكريم، وأنهم مهددون بمستقبل غامض غموض السياسة المتبعة من قبل من يحكمهم. فمن أجل هذا الخطر الذي يحدق بهم وبغيرهم يرفعون الآن أصواتهم عالية أمام كل الضمائر الحية في الوطن من أحزاب وهيئات المجتمع المدني وعلماء وفضلاء وينادونهم بضرورة الإنقاذ والخلاص والالتحاق بموكب التغيير.

فقد استطاع هؤلاء الشباب من خلال أيام فقط أن يحققوا من الإنجازات ما عجزت عن تحقيقه الأحزاب لعقود من حيث الحديث عن الإصلاحات والصلاحيات، وهم في طريقهم إلى تحقيق إنجازات أخرى كبيرة بحول الله وقوته، وما يتعرضون له في سبيل إنقاذ السفينة حتى لا تغرق من قمع وتضييق من طرف المخزن، ومن إفشال ومحاولة التشتيت والتشويه من طرف أصحاب المصالح والنفوذ لا يثنيهم عن طريقهم، بل سيزيدهم عزما وإرادة وثباتا، والأكثر من ذلك سيزيد من رفع سقف مطالبهم من جهة، ومن عدد الملتحقين بهم من جهة أخرى، ولذلك نهيب بمن يحاول إغراق السفينة أن يفهم ويتعقل فإن التهور عواقبه جسيمة.

أنعم به من شباب كهذا يريد إصلاح بلده ويأبى له التخريب، ويتمرد على كل المخططات التي ترمي إلى تجهيله وتفقيره وإفساده. شباب كهؤلاء تفقده العديد من الدول الغربية لو وُجد في أرضها لصنعت منه الأعاجيب. لكن لما وجد في البلاد العربية والإسلامية صنعت به أنظمته من المخازي الأعاجيب. أجيال من الشباب تنتظر من زمان في كل مناسبة سياسية لعلها تكون الحاسمة في تغيير الواقع المزري نحو الديمقراطية الحقيقية، لكنه في كل مرة يفاجأ بخيبة الأمل جراء الوعود الكاذبة والسياسات الفاشلة. فلم يعد من الآن يثق في اللعبة السياسية وفي الخطابات الرسمية وفي المشاريع الكرتونية، بل قد بلغ أشده وقوي عوده ليقوم بتحقيق مستقبله بنفسه.

حديث السفينة ضرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع مثل لسفينة بين من يحاول إغراقها من خلال الإفساد فيها، وبين من يطلب لها النجاة من خلال محاربة الفساد والمفسدين. فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه فيما رواه البخاري والترمذي وأحمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا فلم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا.”