بعد أن سقط قناع الاستثناء، وارتعدت بالخوف أركان البناء، أصيبت أوتار العناد بالارتخاء، وفتح في النوادي نقاش بعد عناء. فقال لي صاحبي: ما لنا والبلاء..

إننا شعب لا نستحق إلا ما نحن عليه، ألم تر ذلك الرجل كيف يتزاحم بشراسة ليصل إلى حاجته رغم أن غيره قد سبقه للانتظار منذ ساعات؟! ألم تر صاحبنا الفلاني كيف يغتاب زميله وينافق ويناور؟! ألم تر تلك المرأة التي يبدو عليها الوقار والهيبة، فما أن ترى الهاتف يسقط من جيب الرجل حتى تسارع لحمله ثم تلتفت يمينا ويسارا وتتابع سيرها بنفس السكينة كأن شيئا لم يقع. يا صديقي إن شعبا هاته صفاته لا يستحق الحرية، ويكفينا أن قد جاء في الأثر “كما تكونوا يولى عليكم”. فما كان من تغيير مطلوب فلا بد أن يبدأ من هذا المنطلق.

قلت: له سأتفق معك أن الأمة محتاجة إلى تربية عميقة وإصلاح للقلوب قبل القوالب وتقويم للعقول حتى تملك عقالها وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولكن دعني بداية ألقي عليك سؤالا. ما الذي جعل شعوبنا تهوي إلى هذه الدركات الدنيا من الجهل والتخلف؟ من كان السبب في جعلنا مضرب الأمثال في التبعية والخنوع؟ إنه الاستبداد يا صديقي، هذا الذي لا يمكن أن يثبت جذوره وينمي أغصانه إلا على أرضية مظلمة مكفهرة بالجهل والتخلف، بذورها الاستخفاف بالعقول الأمية المغيبة. فلا طاعة للمستبد إلا بعد استخفاف للعقول، قال تعالى فاستخف قومه فأطاعوه.

ثم إنني إن اتفقت معك على هذا الأساس جاز لي أن أقول لك إن تغيير الحال سيحيلنا إلى ملاحظتين اثتنين:

الملاحظة الأولى: إن جميع وسائل التربية والتوعية للناس تقع تحت قبضة النظام الحاكم مما يجعل معه أية محاولة جادة للتربية والإصلاح إما أن تصب في خدمة مشروعه أو يكون مآلها الفشل الحتمي. فهب أنني سلمت بفكرتك وقررت أن أساهم معك في إصلاح الناس وتربيتهم على أسس متينة، فهات يدك في يدي نبذل الجهد لتحقيق هذا الهدف النبيل، ولنبدأ برصد الآليات التي تساعد في تصريف منهجنا التربوي:

أولا: التعليم: هذه أول العقبات. إن سياسة تعليمية في قبضة رسمية لا يمكن أن تسمح بتمرير خطاب غير خطاب التدجين الاستبدادي، وإن غياب الإرادة الحاكمة في الإصلاح لن يجعل من مقترحاتنا ومحاولاتنا أكتر من صيحات فارغة، ولذلك سأقترح أن نجرب آلية أخرى.

ثانيا: الإعلام: هذه معضلة أخرى. ألم تلاحظ ما يعج به إعلامنا من فوضى موجهة، وحتى إن أردنا إنشاء إذاعة خاصة، فرض علينا دفتر للتحملات يحمل في طياته بنودا لا تسمح لنا إلا أن نطبل ونزمر للمشروع الرسمي. أما الجرائد فانظر إلى عدد الممنوع منها يغنيك عن عناء المحاولة. فلنجرب إذن وسيلة أخرى.

ثالثا: المسجد: لقد أريد لمساجدنا أن تفرغ من محتواها التربوي الذي كانت تتمتع به فأصبحنا لا نسمع في المنابر إلا تسبيحا بحمد النظام، أما العلماء الصادقون فقد تمت محاربتهم بل وعزلهم عند أول محاولة للاحتجاج أو الصدع بالحق.

لم يبق لنا إلا أن نحاول تأسيس جمعية مستقلة نتواصل من خلالها مع أكبر عدد من الناس، لكنني سمعت أيضا أن مجموعة من الجمعيات اقتحمت مقراتها وسحبت تراخيصها، بل إن البيوت تم اقتحامها وحتى تشميعها كي لا يتمكن أصحابها من تعليم الناس وتربيتهم على أخلاق القرآن، لأن ذلك يزعج السلطان.

فقل لي بربك كيف لنا أن نطرد الاحتلال من العقول بغير قومة على المحتلين.

الملاحظة الثانية: التغيير يا صديقي لم يكن في يوم من الأيام متوقفا على توفر القاعدة الكبيرة العدد، وإنما تشكل القلة الموقنة الطليعة في كل حركة تغييرية ثم يلحق بها الآخرون. ألم يبلغك خبر طالوت في معركته التاريخية مع جالوت وما لاقاه من جحود وتقاعس من اتبعوه فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.

وفي الختام دعني –والسلام- أذكرك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة”. فإذا كان الانتقاض ابتدأ من الحكم فإن الفتل من جديد لا يمكن إلا أن يبدأ من نفس المدخل. ولا إمكانية للإصلاح إلا بإسقاط الاستبداد.