وردت في مقدمة كتاب “أمير المؤمنين” الذائع الصيت، لصاحبه جون واتربيري هذه الفقرة: ذات مساء، سمعت من شقتي هتافات وأناشيد حشد من الناس، صادرة من الجامعة القريبة من محل سكناي، فلم يعد هناك ريب في أن الانفجار وشيك، فودعت زوجتي، وطلبت منها وقد ساورها القلق، أن تخبر السفارة الأمريكية إن لم أعد في ظرف ساعتين، وبينما كنت أتقدم في حذر، ازداد الصخب كثافة، وحينما بلغت مقصدي، لم أجد أثرا للشرطة ولا للطلبة. لكن في الملعب المقابل لجامعة محمد الخامس، كان الفريق الرباطي لكرة القدم ينازل فريق الدار البيضاء، ليس هناك أي مغزى لهذه الحكاية، سوى أنه، في المغرب، لا شيء يحدث في الواقع كما نتوقعه منطقيا).

كان الشعب ينتظر استجابة واضحة للمطالبة العادلة التي رفعها شباب 20 فبراير، لكن الذي حدث كان التفافا حول هذه المطالب المشروعة التي نادت بسقوط الاستبداد، وإسدالا للستار عليها كأنها من توافه المطالب، وتسليطا للضوء على جملة من الوعود، وبعضَ التعديلات الدستورية التي لن تغير شيئا من حالة البؤس وانسداد الأفق واليأس وباقي الكوارث التي يعرفها الوطن في كل الميادين نتيجة السياسة المخزنية الاستبدادية التي أفرغت مؤسسات الدولة جميعا من مضمونها.

كانت فرصة تاريخية للأحزاب الشائخة الدائرة في فلك النظام أن تصطف مع الشعب في طموحه المقدس في القضاء على كل الفصول التي تسلب منه حريته، ويستعيد سيادته وحقه في تقرير مصيره بيده، ودون وصاية من أحد؛ لكن أبت إلا أن تكون صوتا يردد أغنية النظام، ويبارك كل الشعارات رغم زيفها وبعدها كل البعد عن الحقيقة والواقع. ما أنبله من هدف حينما يعلن ملك البلاد: ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان، بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والثقافية والبيئية، ولاسيما بدسترة التوصيات الوجيهة لهيأة الإنصاف والمصالحة، والالتزامات الدولية للمغرب). لكن شتان ما بين تسويق الوهم وبين الحقيقة. لم يمر على الخطاب إلا يوم واحد حتى رأينا تجليات هذا الخطاب، من خلال التدخلات القمعية التي طالت أفراد جماعة العدل والإحسان بمدينة وجدة، والتدخل العنيف بالقنيطرة، كما شهدت كل من البيضاء والمحمدية والجديدة وخربكة وبركان تدخلات قمعية خطيرة يوم 13 مارس 2011 على إثر الوقفات الاحتجاجية، استجابة لنداء حركة 20 فبراير. وجاء في بيان صادر عن فرع “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بالدار البيضاء أن المتظاهرين تعرضوا لـالضرب والرفس والإهانة الماسة بكرامة الإنسان وبشكل همجي)، وقد نقل على إثر هذا العدوان الهمجي العديد من المشاركين في الوقفة الاحتجاجية السلمية إلى المستشفيات، وقال الطبيب رشيد نور الدين: إن بين الإصابات حالات خطيرة، مثل الحالة التي قام بنقل صاحبها على متن سيارة خاصة لأن سيارة الإسعاف لم تصل، وقال إن المصاب الذي نقله هو شاب في السادسة عشر من عمره مصاب على مستوى العمود الفقري وهو مهدد بالشلل التام في حالة عدم تلقيه العلاجات الضرورية المستعجلة). إنها فعلا ثورة الياسمين المخزنية والإصلاح الشمولي العميق كما صرح بذلك فقهاء المخزن.

إننا اليوم لسنا بصدد الحديث عن الوزير الأول، وطرق تعيينه، وصلاحياته، ومزيدا من هذه الصلاحيات، ولا الحديث عن ملفات وقضايا تتجدد في كل مناسبة، ويتجدد معها الآلام والمعاناة، إننا اليوم نتحدث عما يريده الشعب، وعن إرادة الشعوب التي أزاحت من أراد إلغاءها.

إذا كان نظر المخزن مركزا على الشكليات دون الجوهر، وتجاريه في هذا الشأن الأحزاب التقليدية صاحبة المطالب الضئيلة، الحريصة على حجز عدد من المقاعد في مؤسسات هي عبارة عن جثة هامدة. فنظر الأحرار وفي كل المواقع لا يكاد يزيغ عن أم المشاكل وأصلها، والمتمثلة في السلطة المطلقة، والتي اجتمعت فيها كل السلطات، لا مجال معه لأي فصل حقيقي للسلطات ولا يترتب عن هذا أي مساءلة أو محاسبة. وهذا كما هو معلوم مخالف لأبسط مبادئ النظام السياسي الحديث الذي لا يجيز أن يكون لأي صاحب منصب في الدولة -كائناً من كان- أن تجتمع في يده كل السلطات، أو أن تكون مرجعيتها إليه، وأن يكون في النهاية مصوناً عن أي مسؤولية أو محاسبة. هذه حالة شاذة في زمن التحرر غير مقبول استمرارها وكأننا لا نزال نعيش في القرون الوسطى.

لا بد من الرجوع إلى طبيعة الأشياء وإن كان هناك من يصفق بحرارة للعبودية والخنوع متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا). إننا دخلنا زمنا جديدا يتغير بسرعة خارقة، وتعيش الشعوب العربية فيه تحولات تاريخية كبرى، ومن المستحيل أن يبقى وطننا وهو جزء من هذا العالم بعيدا عما يحدث من بين يديه ومن خلفه.

قال “هندرمان” وهو أحد ولاة ملك الفرس “أكسرس” لرجلين من إسبرطا: انظرا إلي أيها الإسبرطيان، واتخذا مني مثالا تعلمان منه كيف يعرف الملك تشريف من استحق، وتذكرا أنكما لو صرتما من أتباعه لرأيتما من صنيعه ما رأيت، وأنكما لو دنتما له بالطاعة، وعرف أمركما لما خرج كلاكما عن أن يكون أميرا لمدينة من مدن اليونان)، فأجابه محدثاه: يا هندرمان، أمر لا تملك فيه إسداء النصح إلينا، لأنك جربت النعمة التي تعدنا بها ولكنك لا تعلم شيئا عن نعمتنا، لقد ذقت حظوة المُلك، وأما الحرية فلست تعرف مذاقها، ولا مدى عذوبتها، ولو عرفت لنصحتنا بالدفاع عنها، لا بالرماح والدروع، بل بالأسنان والأظافر.)