لم يسبق للمغرب أن شهد حراكا سياسيا واجتماعيا وحقوقيا وإعلاميا كما يشهده هذه الأيام، وهو وإن كان عنصرا من عناصر السياق العام الذي يحرك الشعوب العربية التي تكابد نفس فصيلة الاستبداد، إلا أن له سياقا وطنيا مرتبطا بالواقع السياسي والاجتماعي المغربي.

سياق مغربي لا مهرب لأي محلل سياسي من ربطه بـ”الإنهاك السياسي والحقوقي والاجتماعي والإعلامي” الذي استنزف الشعب المغربي على مدى عشر سنوات من انتظار ما لا يُنْتَظَر من وعود بالتغيير والإصلاح.

عشر سنين من تراكم المعاناة لم تفلح المسكنات في كبتها وقد نفخت فيها ثورات تونس ومصر وليبيا من روحها.

وفيما يحاول النظام المخزني الذي صَدِئَت دواليبُه تدارك وتيرة الحراك الشعبي بعربته المثقلة بأوزار الفساد، تتأجج الاحتجاجات لتسري شيئا فشيئا في كل المرافق وعلى كل المستويات، حتى إذا أعيته محاولات إطفاء الحرائق التي أججها الفساد والظلم والاستبداد قضى حاجات الشعب بتركها واستنجد بالحل السهل المعتاد: “الأمن”.

ولعل أهم إنجازات حركة 20 فبراير أنها وفرت الجو السياسي والنفسي والإعلامي لتوجيه التحركات الشعبية في اتجاهها الصحيح.

في الجانب الاجتماعي

احتجاجات اجتماعية تأجج أُوارها في الكثير من ربوع البلاد، كان آخرها اعتصام أبناء متقاعدي المكتب الشريف للفوسفاط الذين فتحوا أعينهم فجر يوم 15 مارس على كابوس الأمن الذي أذاقهم عينة من بطش دولة الحق والقانون، وكَرَّمَ المرأة في شخص نساء عائلاتهم بعد أيام من اليوم العالمي للمرأة، واستفتح ورشة الإصلاح الدستوري بالتنكيل بأبناء هذا الشعب، فيما وصفه ضحايا هذا البطش بـ”المجزرة”.

فهل هذا ما يستحقه هذا “الشعب العزيز”!!!

في الجانب الإعلامي

حراك إعلامي غير مسبوق يتزحزح عن خط السير الذي وجه مساره زمنا طويلا.

الصحافيون، الذين يركبون متون المخاطر لكشف الحقيقة ونقل الوقائع، ضحية من ضحايا المقاربة الأمنية المخزنية التي كشفت يوم 13 مارس الأخير عن وجه كالح من وجوهها، حيث تم الاعتداء على الجسم الصحافي بالضرب والركل، وكان أفظع ما في هذا التنكيل الصفع البوليسي الجماعي لصحافية ذنبها الوحيد أنها تحمل القلم وتوثق الحدث وتنقل الخبر في ميدان لم يكن يتسع إلا للجزار وللضحية.

فلم يكن لفرع الدار البيضاء للنقابة الوطنية للصحافة المغربية إلاّ الدعوة إلى وقفة احتجاجية الأربعاء 16 مارس 2011، للتنديد بالاعتداءات التي استهدفت مجموعة من الصحفيين أثناء أدائهم لواجبهم المهني يوم الأحد “الأسود”.

ومن المفترض، بحسب بلاغ للنقابة، أن يطالب المحتجون، أثناء هذه الوقفة، الحكومة بفتح تحقيق جدي لتحديد المسؤلين عن هذا التصرف الذي يعد انتهاكا صارخا للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير والتي تنص على حق الصحفيين في ممارسة مهنتهم بكل حرية وضمان الحماية الجسدية والمعنوية لهم أثناء مزاولة واجبهم المهني).

أضف إلى هذا ما دعت إليه ثلاث نقابات للإعلام السمعي–البصري لـإقرار خط تحريري مهني واضح ومستقل على مستوى الأخبار والبرامج يستجيب لحاجيات وانتظارات الشعب)، وإطلاق وتنظيم حوار وطني فوري وجدي ومسؤول حول الإعلام يتوخى بلورة الإصلاحات الضرورية لوضع السياسات العمومية في المجال السمعي-البصري على قاعدة وضوح العلاقة بين الدولة ومرافق الإعلام العمومي.)

في الجانب العلمي

وعلى ذات منوال السخط والغضب من واقع الخنق السياسي الذي يولد الكبت العلمي، يخوض طلبة الجامعات “أسبوع الغضب”، بدعوة وتأطير من نقابتهم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وقد اجتاحت الكليات الاحتجاجات والتظاهرات للمطالبة برفع يد الوصاية الأمنية والسياسية عن الجامعة، ومنح الطلبة حقهم المشروع في تعليم جامعي متقدم وفضاء نقابي حر.

ويأتي هذا الاحتجاج تضامنا أيضا مع الطلبة المتابعين على خلفية أحداث فاس، حيث حكم على بعضهم ب4 و3 سنوات، في حين يتابع آخرون أمام غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف.

وفي نفس السياق يواصل أكثر من 600 دكتور مغربي، يعملون في ثانويات المغرب، في اعتصام مفتوح أمام وزارة التربية الوطنية، مطالبين بتسوية أوضاعهم الإدارية والمادية لتناسب شهادتهم المحصل عليها، رغم تعرضهم للضرب والتعنيف والسباب والاعتقال، وهم أطر البلد، كما حصل يوم الثلاثاء 22 فبراير الماضي.

وبدورهم يهدد المجازون المعطلون بخوض معارك في الشوارع بعدما تم إقصائهم من التوظيف المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، حيث دعت بعض التنسيقيات الخاصة بهم، مثل مجموعة “التوفيق” لحملة شهادة الإجازة المعطلين، إلى نقل الاحتجاجات من المدن إلى العاصمة الرباط.