شاءت الأقدار الإلهية أن نعيش مرحلة مفصلية من عمر أمة ذاع صيتها وأشرقت شمسها على بقاع شتى من العالم لفترات طويلة، ثم خمدت، إذ تتسم الظرفية الحالية بتبلور الشروط الأولى المهيئة لتغيير حتمي، بدأت بوادره تلوح في الأفق مبشرة بعودة قوية إلى ساحة التدافع والتنافس على ريادة الإنسانية وريادتها.

هل هذا وهم أم حقيقة؟

آن الأوان لوقفة نقدية حقيقية، ومراجعة ذاتية خالصة نَجُبُّ بها ما فات، ونستشرف بها مستقبلا آتيا، بخطوات ثابتة ومحسوبة لا إقصاء فيها ولا استعلاء، متحررين من قيود الطهرانية والتعقلن والتفلسف والتفرنج والتأمرك… التي لم تؤد ولن تؤدي إلا إلى الانفصام والتشتت والرجعية والتبعية، لا فرق في ذلك بين يساري أو يميني أو إسلامي أو مخزني أو… من لا لون له ولا طعم ولا رائحة.

لكن، على أية أرضية سيتحاور الفرقاء المتشاكسون إن تحاوروا؟

يجب أن لا تغيب عن طالبي التغيير أن التدافع والتداول والتحاور سنن كونية إنسانية اجتماعية، وضعها الله لبني الإنسان، لها قوانين محكمة لا تتبدل ولا تزول، وتنطبق على الفرد والجماعة، فالفرد مثلا يعيش في صراع دائم بين نوازع الشر ودوافع الخير في تدافع ذاتي يتحدد بموجبه المصير بناء على حرية الاختيار.

فلا مناص لأصحاب الضمائر الحية وأولي الألباب في وطننا من إبصار الواقع بطريقة مركزة، ومراقبة وتتبع متغيرات المتسارعة، وعدم الدمج بين المبادئ والبرامج، وبين المثل المقدسة والاجتهادات النسبية، وعدم الجمع بين الممكن والمأمول، وإدراك ما تستوجبه الظرفية.

في المغرب كل يغني على ليلاه، لكن ليلى لا تقر بحبها لأي أحد، إلا من أتى ببراهين صدق واضحة.

يقول البعض، مثلا، إننا جميعا مسلمون، ولا يحق لأي أحد احتكارا النطق باسم الإسلام، وهذه كلمة حق… لكن أليس من حق مبادئ الإسلام نفسه أن تسائل كل من يدعي الانتماء إلى هذا الدين، عن مدى تطبيقه لها وتحليه بمثلها؟ أم أن الأمر لا مجال للمسائلة فيه ولا للمحاسبة، ثم أليس ادعاء الانتماء للإسلام قولا، مع اعتناق أفكار أخرى وممارستها فعلا، هو لب العلمانية، الفاصل بين المعتقد والمعتمد.

تحايل هذا لا شك ولف ودوران، إن لم تطف على السطح براهين الصدق عمليا، وصور حية لشريعة محكمة في السلوك الفردي والحزبي.

نأسف لما يقع فيه بعض المناضلين من وقاحة نتيجة تبلد حسهم وتخلف فكرهم، حينما يتشبثون بأطروحات ملفقة بالية ميتة ميتة طبيعية، مجهدين قواهم في نفخ الأوهام في بضاعة كاسدة، واضعين رجلا سطحية هنا، ورجلا عميقة هناك.

إنها فنون على أرض المغرب من متقاعدي الثورية التقدمة وأرامل الإيديولوجية الشيوعية البائرة… وبعض منبوذي النظرية الرأسمالية اللبرالية..

رغم أن اللائكية هي فصل للدين عن الدولة، ورغم أنها لصيقة للديمقراطية، والمسماة في عرف ممجديها، بالقديسة لائكية، فإن دعاتها ومن يخالفهم مدعوون للجلوس على مائدة الحوار، جنبا إلى جنب مع الوطنيين، والإسلاميين، والصوفيين، والسلفيين والشباب… لأنه لا وقت للتأمل والانتظار، فالمرحلة التاريخية التي نعيشها، تعتبر مفصلية بكل المقاييس، خاصة وأن ساحات وطننا ظلت لوقت طويل مختبرات تجارب، موادها وأدواتها فلذات أكبادنا… تبتهج الأمة وتفرح باجتماع أبناءها وتكتلهم وفاء لملتها.

من الناس ممن ينحدرون من قاع المجتمع، متجذرين في تاريخ منذ 15 قرن، يريدونها أرضية بألفاظ مثل الشورى، والحق، والباطل، والمعروف والمنكر، والأولى والأخرى… إلخ. في الوقت الذي يريدها آخر على أرضية لا تحيد عن ألفاظ الحداثة والعقلانية والعصرنة، والقديسة لائكية، وحق الفرد وحرية الفرد…

ومن الناس أيضا من لا يسكنهم سوى هاجس الخوف على مصالحهم فلهم مطالب خاصة يجب الإنصات إليها، وآخرون لا هم لهم سوى الحفاظ على ما تحقق من “مكاسب” في مجال الحرية والتحرر، كممارسة الشهوة البهيمية والتمرغ في الملذات بلا حدود ولا قيود.. كل يدلي بما لديه على طاولة الحوار الجامعة.

إذن فليحاول كل طرف حسب موقعه ولونه السياسي، أن يبرهن عن قدرته على ضمان استقلال المغاربة وسيادتهم، وتوطيد وحدتهم، وشحذ عزائمهم، وتنوير عقولهم، وإغناء روحهم، وإشباع بطون ذراريهم.

إنه لعمل جبار ومسؤولية عظمى يتطلبان التعجيل بالتنفيذ، ويتجسدان في الربط بين ماض وطيد وحاضر عنيد ومستقبل أكيد.