التغيير عملية تاريخية ممتدة في الزمن لها مراحلها

التغيير الجذري ليس لحظة زمنية، إنما هو مسار تاريخي تتجمع فيه عطاءات كفاءاته من رجال ونساء من كل الفئات حتى يحصل الحسم مع أركان الظلم وعناصره. وهذه اللحظة، كما سبق البيان في مقال سابق، هي لحظة حصول ثلاثي التغيير: الوعي والإرادة والثورة بمعنى نهضة الأمة الشاملة، ولاشك أن اجتماع هذا الثلاثي تكون قاعدته الأساسية البشرية شبابا؛ شباب الوعي والإرادة والثورة.

ولذلك فعلى أجيال التغيير في كل زمان ومكان ومرحلة أن لا ينسوا ولا يتناسوا ما قدمه السابقون قبلهم على مر التاريخ في سبيل إنجاز قيم وواقع التغيير العظيم.

إن هناك تضحيات عظيمة من عظماء؛ منهم من دون المدونون أخبارهم، ومنهم جنود الخفاء لا يعلمهم إلا الله. وبذلك فالتغيير عمل أمة تفرح وتحتضن وتكرم كل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجازه، وتدعو دوما وتضحي هذه الأمة من أجل الحفاظ على المكتسبات والسهر على إنجاز المطلوب في اللحظات، وهو عين البذل والعطاء. ومن ثمة تكون الثورة عامرة بقيم التواضع والتفاني ونكران الذات دون غفلة ولا خبية حتى لا يسرق السارقون الثمار ويدلسوا على الرجال، وهو أمر غير ممكن حينما تكون، أي الأمة، هي الراعية الواعية المراقبة المحاسبة الساهرة.

أهم مميزات النظام السياسي في المغرب

يتميز النظام السياسي في المغرب بتعقد كبير في بنيته الداخلية، سواء من حيث امتدادها في التاريخ، أو من حيث تفاعله مع قيم التجربة الغربية، أو من حيث الكفاءة في تجديد عناصره الداخلية.

1- من حيث التاريخ

أ- من حيث الامتداد الزمني: (تعميق الخبرة التاريخية بامتلاك قيم وطقوس جامعة تشكل شكليات البنية وتعبر عن جوهرها).

نعم، لا ينكر باحث على أن النظام السياسي في المغرب استطاع أن يحافظ على امتداده في عمق التاريخ المغربي وإن كان حكمه متداولا بطرق شتى بين دول وشخصيات متعاقبة على مدى أكثر من 12 قرنا.

فهذا التداول لم يشكل قطيعة نهائية بين السابق واللاحق إلا في ثانويات مع بعض الاستثناءات، وبذلك توفرت قوة هائلة ليس من اليسير اختراقها، بحيث كانت أغلب الانتفاضات جزئية ولحظية أمام امتداد كلية النظام السياسي في الزمن، ومن ثمة لم تشكل أي اهتزاز جوهري في بينته.

كما لا ينكر أحد أن هذه القوة المستمدة من عمق التاريخ كانت قاضية على تفكير المعارضة، فلم تستطع هذه الأخيرة أن تنتج أية قوة تصورية وعملية قادرة على اختراق بنية النظام وتؤسس لآخر بديل عنه.

ب- من حيث المعنى الديني: إن قوة العمق التاريخي التي توفرت للنظام السياسي في المغرب (والتي لا تعني أنه نظام أصلي وأصيل) تماهت بشكل كلي ونهائي مع معنى ديني بحيث صار العمق التاريخي عمقا دينيا شكل علاقة معينة بين الرعية والراعي، كما شكل ماهية ثابتة على مدى القرون لطبيعة النظام.

فحينما تماهى العمق التاريخي مع المعنى الديني وشكلا وحدة واحدة للبنية السياسية للنظام السياسي أنتجا فكرا سياسيا مهيمنا عول على فهم سياسوي للدين استند زورا على المعنى المصلحي السائد للمذهب المالكي. ولذلك سيكون أمام عملية التغيير في المغرب عائقا شديدا حيث ستجد مفكرين وعلماء وسياسيين يستندون صدقا على هذا المعنى المصلحي للقول بترجيع مفاسد الاستبداد على فتنة عارمة. ولاشك أن الأيام بينت أن هذا الادعاء غير صحيح لأن مفسدة الفتنة متوهمة وغير حقيقية لما تتوفر قيادة جامعة ونهضة أمة عامة بشبابها الواعي والراقي.

2- من حيث الاندماج في التجربة الغربية

تميز المغرب بعلاقته الخاصة مع الغرب على مر العصور حربا وسلما، وغير ذلك، حتى تشكل خط معين في هذه العلاقة التي تراكمت على مر التاريخ لتوفر خبرة هائلة شكلت عامل قوة للنظام السياسي.

وقد انتقلت هذه العلاقة عهد الملك الحسن الثاني إلى الاندماج الكامل في التجربة الغربية دون التفريط في معنى العمق التاريخي والديني الذي يشكل مستندا حاسما في ماهية وصيرورة النظام السياسي، حيث تم تبني مفاهيم غربية أساسية كالديمقراطية والمجتمع المدني والحداثة والنظام الاقتصادي اللبرالي وهكذا.

ومن ثمة ازدادت بنية النظام تعقدا حيث بالتحام العمق التاريخي الديني مع التجربة الغربية من خلال وعي سياسي استراتيجي مع الحسن الثاني خولت للنظام السياسي اختراقا كبيرا للواقع الدولي سواء زمن الحرب الباردة أو بعدها، مما وفر له علاقات مصلحية كبرى في العلاقات الدولية وهيمنة داخلية قامعة لكل نمط معارضة، كما خولت له مرونة كبيرة في تبني إصلاحات شكلية لكنها مؤثرة في الحياة السياسية والتي توجت بجلب المعارضة الرسمية إلى موقع الحكومة أواخر القرن العشرين، -وهو موقع هامشي في بنية النظام السياسي في المغرب- كما جلبت المعارضة اليسارية الجذرية، التي لم تكن مؤهلة للمشاركة في الحكومة على أية صورة، إلى حلبة “الإنصاف والمصالحة” من خلال تعويضات مالية هائلة عن سنوات الاعتقال في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، في الوقت الذي تم استدراج طرف إسلامي “حركة التوحيد والإصلاح” إلى حلبة المشاركة السياسية الانتخابية ومحاصرة الطرف الإسلامي الكبير والمعارض الجذري في شخص جماعة العدل والإحسان التي ترفض الدخول في اللعبة السياسية الانتخابية في المغرب.

إننا أمام عملية سياسية معقدة وإن كانت تتميز ببساطة ظاهرية، ومن ثمة فإن حركة التغيير القائمة في المغرب ستواجه عقبات شديدة، خاصة لما ندرك أن العمق التاريخي والديني والاندماج في التجربة الغربية تماهى ومصالح كبرى مالية واقتصادية جعلت طبقة مغلقة تحتكر السلطة والثروة وتسخر كل واحدة منهما لخدمة الأخرى، مما وفر لها مرونة في تبني إصلاحات شكلية تمس الواقع الاجتماعي ليستفيد منه المجال السياسي على مقاس النظام السياسي. ولذلك فعملية التغيير في المغرب تطلب وضوحا في الرؤية وقوة في الاقتراح وقيادة للتغيير متمرسة وصادقة وشباب واع بكل مآلات وآفاق هذا التغيير حتى لا تسرق الجهود وتبدد المبادرات وتنحرف العملية عن أهدافها ومقاصدها، لأن كل العوامل المشار إليها أعلاه (امتداد تاريخي ديني، اندماج واعي في التجربة الغربية، طبقة حاكمة ومحتكرة للثروة ومصادرها مع تكتل المصالح الخاصة بهذه الطبقة) ستجعل مقاومة التغيير قوية وذكية ومرنة، وهو ما يعني أن أفق التغيير في المغرب يحتاج إلى بناء قواعده الميدانية على وضوح في الرؤية وقوة في الاقتراح وعلى أساس نبذ العنف بشكل نهائي ومطلق لأننا لسنا أمام تجربة تونس ومصر وغيرهما، (علما أن الاستفادة من ذلك حكمة بالغة).

وتوضيحا للفكرة؛ إن التغيير في المغرب ستكون مقاومته، على الأقل في لحظاته الأولى، ليس فقط من طرف الطبقة الحاكمة والمتحالفة معها مصلحيا، وإنما سنجد علماء ومفكرين ومثقفين وسياسيين وأحزاب سياسية عتيدة تقاوم التغيير لأن الأفق لن يكون واضحا للوهلة الأولى، مما يقتضي صبرا ومصابرة وبيانا وبلاغا وبذلا وعطاء، ومنه فرض واقع نقاشي فكري سياسي مصاحب ومؤطر للعمل يكشف عن الرؤية والأفق الجامع. ومن هنا يظهر الدور الرائد الذي ينبغي أن يقوم به الشباب كل من موقعه وموقفه.

وخلاصة القول أن الرهان على التغيير من داخل بنية النظام السياسي مضيعة للوقت نظرا لخبرته الطويلة والهائلة في ممارسة واقع المرونة والاحتواء والتحالف والتهميش والترويض، ومن ثمة ينبغي تجاوز كل ذلك إلى ضرورة الاستمرار في بناء قوة المجتمع الواعي بضرورة وأهمية التغيير، ولعل ما يعيشه المغاربة اليوم جميعا مؤشر واضح على هذا الوعي، لكن قبضة الاستبداد الطويلة لم تجعل الأفق واضحا، وسيكون هذا المقال كإخوانه السابقين مساهمة في التوضيح الضروري.

وبهذه المناسبة أركز الحديث على الشكل التالي:

3- أفق التغيير في المغرب بعد فبراير 2011

بعد أن كرست حركة 20 فبراير أن الشعب المغربي ليس استثناء وبينت أن نسبة المقاطعة للانتخابات ليست عزوفا كما سماه بعض السياسيين والمفكرين وإنما مقاطعة واعية لعملية سياسية فاسدة ومزورة كليا، سيبنى الحديث عن أفق التغيير على المسلمات التالية:

1- انتهى زمن الاستبداد، وانتهى الحكم المطلق للفرد والعائلة، وأانه ليس من الممكن تحويل الصراع في مجتمع واعي من صراع لأجل الحرية إلى صراع من أجل فئة قابضة على الحكم والثورة وكل خيرات الأمة.

2- لم يبق للعنف مكان في التغيير، لأنه لم يكن هناك تغيير حقيقي بالعنف. ولذلك فنبذه شرط في البناء الحقيقي، ولن يلجأ اليوم إلى العنف إلا ضعيف أو مخرب.

3- حينما تنهض الأمة نهضة واعية جامعة فإرادتها لا تقهر ولا تغلب، لأن وعيها مؤشر على إدراكها لمطالب الحرية الكاملة فهي واعية بحجم الثمن الذي تقدمه، ولذلك فاللجوء إلى تغييرات شكلية سياسية أو اقتصادية أو مالية أو اجتماعية لم يعد مجديا ولا وسيلة للتمويه والتسويف: الحقيقة تغيير ولاشيء غير التغيير.

4- في هذه اللحظة التاريخية أفق التغيير سيحدده النظام القائم لما يدرك أن نهضة الأمة واقع وليست وهما أو حلما، وأن من لم ينتبه إلى هذه النهضة في هذه اللحظة سيكلف الأمة ثمنا باهظا.

5- هناك خياران أمام جميع المغاربة وأن النظام السياسي هو الذي سيحدد في هذه اللحظة أي خيار يُسلك. ولذلك فغض الطرف عن جوهر ما يعرف المغرب من احتجاجات ومطالب سيجلب، لا قدر الله، على المغاربة مهالك.

6- إنه لم يعد من الممكن والمعقول أن يفرض جيل على الأجيال القادمة نمط الحكم الشخص الحاكم، بل الواجب هو العمل على توفير شروط الحرية الحقيقية والعيش الكريم والكفاية اللازمة، وللأجيال الحق في اختيار نظام الحكم الذي يناسب ظروفها.

والخياران:

1- تراجع القصر إلى الوراء في القبض على زمام الحكم، وسمي هذه الصورة ما شئت حسب تجارب ومدارس علم السياسة. ملكية برلمانية، ملكية دستورية….ولاشك أن هذا الخيار معقد كما سيتبين بعد، ولكنه ليس مستحيلا.

2- التشبث بالمواقع الحالية سياسيا واقتصاديا وماليا، ساعتها كما، تبين الحقائق الواقعية، ستكون ضحايا كثيرة ينبغي تجنبها، لأنه حتما ستحصل مواجهة بين حركة الوعي من أجل الحرية الحقيقية مع هذا التشبث الأعمى، لذلك فالمسئول كليا على ما سيحدث مستقبلا هو النظام الحاكم، إذ لا يمكن إيقاف حركة التغيير مقابل التشبث السلبي بالمواقع الحالية للحكم.

فعندما تنطلق الثورة العارمة، وهي حتما قائمة، وسيلتحق بها أغلب الراغبين في التغيير لما تزول عوامل الخوف ومصادره، فلن تقف في نصف الطريق ولن تقبل إلا بكامل الحرية، وساعتها ستتم إعادة ترتيب البيت المغربي بناء على ما ستفرزه واقعيا الثورة من تفاصيل سياسية وحربة وغيرها.

أما أكبر عائق في إنجاز الخيار الأول الذي يعني فقط رمزية القصر دون أن تكون له علاقة بالحكم حيث هذا الأخير سيدار بناء على إرادة الأمة العارمة في اختيار من يحكمها وكيف يحكمها وبما يحمها فهو اجتماع الثروة والسلطة في يد فئة واحدة تتكون من القصر ومحيطه.

ولذلك يطرح السؤال: هل يمكن تفويض السلطة للشعب واحتكار ثروته؟

الجواب: لا يمكن، وما يزيد الأمر تعقيدا في هذا الباب أن الثروة والسلطة تشكلان ماهية الحكم بالنسبة للنظام القائم الذي يحرص على امتداده في التاريخ ومعناه الديني ليمتد في المستقبل، ولا شك، كما سلفت الإشارة أعلاه، أن هذه الحيثية جعلت النظام مستبدا وحريصا على الحكم والاستمرار، وهو ما يجعل الخيار الأول في عداد الخيارات الملغاة ليبقى الخيار الثاني هو السيناريو المحتمل جدا أمام التطورات التي يعرفها العالم العربي بين يدي ثورة الاتصال والتواصل والمعلوميات التي لا يمكن قمعها ولا توقيفها ولا عرقلتها خاصة في بلد كالمغرب.

ومن المعلوم أنه في حال وجود مرحلة من الضغط الشعبي قد يجنح جناح من أجنحة النظام إلى الخيار الأول، ولكن السؤال ساعتها: هل يستطيع هذا الجناح أن يكبح جماح الجناح المصر على القبضة الحديدية الاستبدادية، علما بأن زمن الترقيعات والإصلاحات الشكلية قد انتهى؟

وهكذا يتبين أن الخيارين المشار إليهما أعلاه سيكون النظام هو المسئول عن تحديد أيهما سيختار الشعب في هذه المرحلة، وفي جميع الأحوال هي نتيجة ضغط شعبي قوي وسلمي ومنظم بات واضحا للجميع أن كل عناصره تتبلور وتتشكل تصوريا وعمليا. وإرادة الشعوب لا تقهر لأنها لا تجتمع على ضلالة.

وفي كلا الخيارين سيكون تغيير الدستور من خلال مجلس تأسيسي مرحلة هامة تحقق إرادة الشعب وتفتح الأفق أمام الأجيال لتختار نظام حكمها الذي يناسبها. أي لا يعني أنه إذا تعقل النظام واختار الخيار الأول أن الدستور سيؤبده بل تبقى إرادة الشعب في أن يتصرف في ثرواته وثمار ثورته وحكمه ونظامه على أسس عادلة وكريمة ومنصفة.

إن زمن الرحيل من قبضة الاستبداد وحكم الفرد إلى زمن الأمة التي تختار من يحكمها وكيف يحكمها وبم يحكمها هو ما نعيش تفاصيله ومراحله.