كانت رسائل احتجاجات 20 فبراير واضحة ولا تحتاج إلى عناء لفك رموزها، وكانت موجهة إلى كل من يتحمل مسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد، وكانت إيذانا ببداية عهد يشعر فيه المواطنون بأنهم معنيون بشؤون بلادهم. ولذلك كان يجب تلقي هذه الرسائل بإيجابية تحول هذا الشعور إلى طاقة جذب وبناء، وأول خطوة لذلك هي محاورة المحتجين حول مطالبهم والإصغاء إلى ما طالبوا به ووضع جدولة زمنية لمدارسته وتنزيله لأن نقيض هذا الخيار يعني دفعهم إلى العزوف واللامبالاة والسلبية.

لقد طالب المحتجون بجمعية تأسيسية منتخبة تتولى وضع دستور جديد يدخل البلاد إلى عهد الدساتير الديمقراطية، شكلا ومضمونا، وطالبوا بفصل السلطة عن الثروة وبحقهم في اختيار من يحكمونهم من خلال انتخابات مفتوحة ونزيهة وتتكافأ فيها الفرص، وطالبوا بدستور يفصل بين السلط ويوازن بينها ويربط بين السلطة والمسؤولية لأن هذه هي كوابح السلطة المطلقة، وطالبوا بدستور عصري يقطع مع تقاليد بائدة تحط من الكرامة الإنسانية ولا تتماشى مع مقتضيات دولة المؤسسات والمواطنة، وطالبوا بجعل القضاء سلطة ومنحه الاستقلالية حتى يصبح ملاذ كل المغاربة كي لا يبحثوا عن وسائل أخرى لاسترجاع حقوقهم. وإلى حد الآن، ليست هناك مؤشرات على قرب الاستجابة لهذه المطالب رغم مشروعيتها، ورغم مرور أكثر من 15 سنة على آخر دستور ممنوح كان محط نقد الجميع، بمن فيهم أولئك الذين صوتوا سياسيا لصالحه.

وطالب المحتجون بإبعاد بعض المحيطين بالملك، وخاصة الهمة والماجدي، عن دائرة القرار والتأثير والتحكم في عالم السياسة والاقتصاد والإعلام، واعتماد الشفافية واحترام قوانين وأخلاقيات المنافسة. وإلى حد كتابة هذه السطور، ليست هناك استجابة عملية لهذه المطالب.

وطالب المحتجون بالعدالة الاجتماعية والحرية السياسية، وبفتح ملفات الفساد ومحاسبة المفسدين، وبحكامة تحافظ على المال العام. وإلى حد الساعة، لم يفتح أي من هذه الأوراش الاستعجالية.

لم تتم الاستجابة لهذه المطالب رغم أن كل ردود الفعل، سواء الرسمية أو الحزبية أو الشعبية، تؤكد مشروعيتها ونضج هذه الاحتجاجات وضرورة التجاوب معها. فأين المشكلة؟

إننا بحاجة ماسة إلى دراسة سلوك مختلف الفاعلين المجتمعيين بعد يوم 20 فبراير لنفهم أن أغلبهم ما زال يشتغل خارج السياق بخطاب قديم ووسائل متجاوزة ومنهجية تقليدية وحرص على امتصاص الغضب الشعبي واحتوائه وليس الاستفادة منه وتوجيهه ليكون عامل قوة وعنصر بناء، لأنه يمكن أن يشكل النواة الأولى ليقظة مجتمعية ومواطنة إيجابية نحن في أمس الحاجة إليها لبناء مغرب مغاير لذلك الذي تتحكم فيه عائلات أو أصحاب نفوذ ومصالح.

فالحكومة، مثلا، لجأت إلى شراء سلم اجتماعي بضخ 15 مليار درهم في صندوق المقاصة، تضاف إلى 17 مليار درهم التي خصصها قانون المالية، لتدبير ارتفاع أسعار المواد الأولية في السوق الدولية وتفادي انعكاساتها على كلفة المعيشة، وأقدمت على تشغيل الآلاف من حملة الشواهد.. ولكن مصدر هذه الموارد لم يحدد إلى الآن باستثناء حديث عن تقليص عشر ميزانية التسيير، وهو مبلغ غير كاف لسد متطلبات هذه الخطوات، مما يعني أن الحكومة ستلجأ إلى الحل الأسهل، وهو الاستدانة أو الخوصصة، وسترهن مستقبل البلاد وتكبل الحكومات القادمة، لأنها، للأسف، تفتقد القدرة على إبداع حلول جديدة ولا تتوفر على سياسات عمومية استراتيجية.

والأخطر مما سبق هو إقدام العمالات على تلقي عشرات الآلاف من طلبات التشغيل وهي تعلم مسبقا استحالة الاستجابة لها، متناسية أن أساليب امتصاص الغضب وسياسة التسويف لم تعد مجدية.. ولذلك ستجد هذه السلطات نفسها أمام قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة إذا انتظم هؤلاء المعطلون في إطار تنظيمي. ومرة أخرى، قد تلجأ «الدولة» إلى الحل المضمون، وهو الاقتراض أو تفويت ممتلكات البلاد إلى الأجانب الذين يغتنون ويرسلون الأرباح إلى بلدانهم بالعملة الصعبة. وقد نجد أنفسنا في المستقبل القريب أمام تقرير آخر للبنك العالمي يتحدث عن فائض العمالة في الوظيفة العمومية وعن نسبة عالية من ميزانية التسيير تمتصها الأجور، وستقدم الحكومة، مرة أخرى، على مشروع جديد للمغادرة الطوعية، وهكذا تدور الدائرة بدون استفادة من الأخطاء.

والمثال الثاني على الاشتغال بالمنهجية القديمة هو الأحزاب، حيث نلاحظ هذه الأيام حرصا على ركوب الموجة من قبل أحزاب كانت معارضة لاحتجاجات 20 فبراير، وتسابقا على صياغة المذكرات المطلبية، بل منها من رجع بالذاكرة إلى الوراء لينقب في وثائقه حتى يقنعنا بأنه كان سباقا إلى تبني هذه المطالب، ومن هذه الأحزاب ما طالب هؤلاء الشباب بالانخراط فيها والتعبير عن مطالبهم من داخلها!

والمصيبة أن هذه الأحزاب لم تشعر بأنها معنية، بشكل مباشر، بهذه الاحتجاجات، وأن في تجاوزها والنزول إلى الشارع غضبا على قادتها وعدم رضى عن أدائها وانتقادا لأسلوب عملها.

لم تستوعب هذه الأحزاب أن أسلوب المذكرات السرية والأساليب الاستجدائية والمرور عبر مؤسسات لا سلطة ولا مصداقية لها يتعارض مع منطلقات هذه الاحتجاجات، ولم تفهم أن واجب الوقت يقتضي منها مراجعة طرق اشتغالها وبنائها إن كانت حريصة على القيام بدور حقيقي في مغرب الغد حتى لا تبقى دكاكين انتخابية محكومة بالماضي وإكراهاته.

والمثال الثالث على هؤلاء الذين تجاوزهم الركب هو بعض من يحاولون وضع حواجز في وجه هذه الحركية في المجتمع واحتواء شرارتها ووضع سقف مسبق ومقيد لمطالبها لم تفرزه بعد ساحات الاحتجاج، متناسين أنهم يشتغلون بمنطق الوصاية والأبوية التي يرفضها المحتجون ويسعون إلى التخلص منها. وهؤلاء لم يتخلصوا من صفة الناطقين باسم المحتجين والمنظرين لحركتهم، ومنهم من هو غارق إلى أخمص قدميه في الانتفاع من اقتصاد الريع ومواطن الشبهة والعلاقة الملتبسة مع بعض المتنفذين. ولم يستوعبوا أن من كان سببا في المشكلة لا يمكن أن يكون جزءا من الحل إلا إن تخلص من ماضيه على مرأى ومسمع من الشعب. هذه بعض أمثلة على أن منا من لم يفهم بعد الرسالة وإن ادعى ذلك.

إن علينا أن نجتهد جميعا لإبداع مقاربات ووسائل جديدة تحافظ للبلاد على مقدراتها، وأول خطوة لذلك هي المقاربة العادلة والتضامنية لأنه لا يمكن الرفع من الحد الأدنى للأجور بدون خفض الحد الأعلى أو وضع سقف معقول له، ولا يمكن تحقيق عدالة ضريبية بدون ضريبة تصاعدية والتخلي عن الإعفاء الضريبي في قطاعات مربحة، ولا يمكن القضاء على البطالة بدون قطاع خاص قوي يعمل في إطار قانوني ومؤسساتي شفاف ومحفز وتنافسي، ولا يمكن علاج بعض آفاتنا الاجتماعية والاقتصادية بدون الاقتناع بأنها مجرد نتيجة لأسباب سياسية، ولا يمكن ضمان مساهمة إيجابية للمواطنين إن لم يشعروا بأنهم أصحاب الاختيار والقرار والرقابة، ولا يمكن لمن جنوا الثروات من اقتصاد الريع ادعاء وطنيتهم وحرصهم على مصلحة البلاد بدون التضحية بما راكموه.

من هنا، تأتي الحاجة الماسة إلى حوار وطني يمكن أن يكون مقدمة لخيارات جديدة تفضي بنا إلى مغرب جديد.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى خطوات جادة يعبر من خلالها كل واحد أو مؤسسة عن انسجام أقواله مع أعماله. هذا هو الامتحان، وفيه تظهر معادن الناس الذين يعملون في صمت بعيدا عن الدعاية والمناورة.