يئست من كل شيء: حاكم طاغية وشعب مسلوب العقل والإرادة وطبقة متعلمة تتنافس في تملق الحكام. نعم قد يزول حاكم بعد وقت ربما يكون قصيرا لكن لن يتغير شيء كثير لأن داء الاستبداد قد تمكن من نظام الحكم فصار من العسير اقتلاعه… وتبقى الصحافة ووسائل الإعلام كفيلة بإفساد ما تبقى وقلب المعاني رأساً على عقب؛ فإذا خطب خطبة تافهة قالوا (خطاب تاريخي)، وإذا صدر بأوامر لا معنى لها؟ صاحوا بصوت كهزيز الرعد (توجهات سامية)؟ وإذا تعطلت كل المرافق من مواصلات وتلفونات وكهرباء وماء وصرف صاحت الأبواق (رغم التوجيهات)؟ وكأن كل كلمة يقولها هي كن فيكون؟ فلابد للشيء أن يكون أليس الحاكم بمثابة الإله الخالق)؟

هذه هي شهادة أحد أبرز الفلاسفة المصريين الدكتور عبد الرحمن بدوي (1917- 2002) والذي عرف بغزارة في التأليف، نقل إلى المكتبة العربية الفكر اليوناني والفلسفة الألمانية الحديثة وفلسفة الحضارة عند الفيلسوف «اشبنجلر» والفلسفة الوجودية عند الفيلسوف «مارتن هيدجر» وصدر له أزيد من 150 كتابا،إنه فليسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام. وتحت عنوان “اليأس التام” من سيرته الذاتية يصدر حكمه عن الواقع الذي عاشه ويعيشه ملايين المواطنين في العالم الإسلامي. سجل هذه الشهادة في مذكراته التي تم نشرها عام 2000 في كتاب ضخم من جزئين، بلغ عدد صفحاته 768 صفحة، هاجم فيها العديد من رموز الفكر والسياسة كسعد زغلول، وطه حسين، كما هاجم بقوة النظام المصري ووجه انتقادات لاذعة لجمال عبد الناصر، معلقا على تلك الأعداد الغفيرة التي خرجت في جنازته بأن هذا “أمر عادي ولا يمت بصلة إلى وجود علاقة حب بين المصريين وعبد الناصر” مشيرا إلى أن “هذه طبيعة شعب هوايته المشي في الجنازات”.

إنه اليأس في التغيير الذي ساد وهيمن ردحا من الزمن، جعلت الشعوب تصبر وتتحمل كل الأذى وتدفع ضريبة صمتها وخنوعها. وانتشر ظلام الاستبداد في كل بلاد المسلمين حتى ظن كبار الفلاسفة والمفكرين والزعماء أنه من المستحيل أن يكون هناك أمل في استرجاع الشعوب الضعيفة للحرية المغتصبة والانعتاق من قيود الظلم والطغيان أمام جبروت الحكام. وأمام هذا الوهن الذي دب في جسد الأمة والتحاق غالبية الأحزاب، بكل أشكالها وألوانها بركب النظام تعرض خدماتها، وتقسم بأغلظ الأيمان أنها لن تدخر جهدا في تنفيذ التوجيهات السامية. وأمامنا نموذج من التحول البائس الممسوخ، حيث زعم أحد أمناء أحزاب الكتلة في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر 14 للفرع الإقليمي للحزب بوجدة بأن”المغرب مدرسة للديمقراطية، بفضل تعدديته السياسية، وحرية التعبير التي تسود فيه”. إنهم تسعة رهط يفسدون في المدينة ولا يصلحون، كل من موقعه يسعى إلى اغتيال الحقائق وتزوير الواقع بشعارات جوفاء “فيكسب القاموس كلمة ويخسر الواقع حقيقة” كما قال الصادق النيهوم.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: هذه الطبقة السياسية العجوز لا تدرك أنها تقطع الطريق على الأجيال الجديدة التي تفوتها تكوينا وأهلية لخدمة مصالح الشعب المسلم. هؤلاء السادة المسترخون على أرائكهم، المستسلمون لصفعات السنين، الممتلئون زهوا، المسؤولون عن النزيف الذي يمتص دماءنا لا بد أن ينصرفوا لكي يتغير المجتمع) 1 .

قانون التغيير الذي أودعه الله في الكون لا يتوقف عن العمل، ولن يوقفه سحرة فرعون وكهنة المعبد، كلما توفرت الشروط كانت الاستجابة، ويسجل المؤرخ البريطاني توينبي تحت قانون (الأقلية والأكثرية) انهيار الحضارات حينما تتحول الأقلية إلى عصابة تسوق الناس بسوط الإكراه.

يقول (أتين دي لابواسييه) في كتابه “مقالة في العبودية المختارة”: آجلاً أو عاجلاً يظهر أفراد ولدوا على استعداد أفضل يشعرون بوطأة الغل فيهزوه هزا ولا يروضون أنفسهم على الخضوع ولم يكتفوا بما يفعل العامة بالنظر إلى موطئ أقدامهم. أولئك هم الذين استقامت أذهانهم بطبيعتها فزادوها بالدراسة والمعرفة تهذيبا. أولئك لو أن الحرية انمحت من وجه الأرض لتخيلوها وتذوقوها ولم يجدوا طعما للعبودية مهما تبرقعت).

ها هي الشعوب العربية تولد من جديد في تونس ومصر وليبيا، وتكتب تاريخا جديدا عنوانه الحرية والكرامة بعد أن حطمت صنم اللات والعزى وهبل الذي يعيش آخر لحظاته، ولن يقف الزلزال عند هذه الحدود، ولكن الطغاة لا يفهمون أنه لا بد أن يرحل المجتمع التقليدي المكون من ذرات حيدتها قبضة الحكم المطلق المتقمص بذلة الديمقراطية لتحل محله أمة حية مشاركة) 2 .

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


[1] الإسلام والحداثة ص 328.\
[2] نفس المصدر ص 308.\