مقدمـة

تعيش أمتنا الإسلامية هذه الأيام ربيع الشعوب وخريف الديكتاتوريات، لذلك كان حريا بنا أن نستخلص الدروس والعبر من هذه الهبات المباركة، لكونها ليست حدثا عابرا بل تتجسد فيها سنة الله عز وجل التي لا تعرف التبديل ولا التحويل، يقول الحكيم الخبير: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، ومع أن السياق متعلق بالكفار الذين كادوا النبي صلى الله عليه وسلم- إلا أنها تنطق شاهدة على خلود القرآن وصلاحية أحكامه للأنام على مر الأزمان، ذلك أن كيدهم ومكرهم كان لدعوته صلى الله عليه وسلم لا لشخصه الكريم.

وسائل مكر المشركين زمن النبوة

كان من جملة كيد المشركين ومكرهم ما يلي:

1. الحرب الإعلامية: حيث تحول النبي الأكرم بين ليلة وضحاها من الصادق الأمين الذي يقبل حكمه ويرتضى فصله بين الخصوم، إلى شاعر وكاهن فمجنون ثم ساحر، بل وصل الحد بهم- بلسان عصرنا – إلى اتهامه بأنه “تحركه أجندة خارجية”، وذلك حين قالوا كما ذكر الله عز وجل عنهم وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، فكان الجواب ب: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ.

2. التـعـتيـم: لم يكتف كفار مكة بتشويه سمعة النبي صلى الله عليه وسلم وإلصاق التهم به، بل بذلوا ما في وسعهم حتى لا يسمع الناس كلمة الحق التي تزهق الباطل، فكانوا يعمدون إلى الصفير والصراخ ويجعلون أصابعهم في آذنهم، ويفرضون ذلك على الناس؛ يقول عز وجل: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون.

3. الترغيب (سياسة الجزرة): لما لم يُجْد مكرهم السابق شيئا في ثني الدعوة الصادقة عن الظهور، انتقلوا إلى مفاوضة النبي الكريم بعرض من الدنيا قليل، فعرضوا عليه أن يجمعوا له مالا حتى يصير أغناهم، ويزوجوه من شاء من النساء، بل واقترحوا عليه الإمارة، بشرط التخلي عن دعوته، فكان الرد صادما بقوله: “والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”.

4. الترهيب (سياسة العصا): كان هذا الرد طبيعيا على إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه على مواصلة “المشروع” الرباني، خصوصا مع غياب الرشد في نادي قريش، وميل كفة الرأي لصالح الغباء، والذين يرون أن المقاربة الأمنية هي الوسيلة الأنجع، من أمثال أبي جهل وعقبة ابن أبي معيط، وقد دونت كتب السِّير ما لاقاه الصحابة الأولون من التعذيب والإيذاء على أيدي أولئك، منهم آل ياسر، وخباب وصهيب وبلال…، كل ذلك لأجل إقبار كلمة الحق، وترهيب الناس من سماعها أو تأييدها.

5. نشر الرذيلة لتخدير الناس: لقد أنفق عدد من كفار مكة الأموال على القِـيَن والغناء الماجن لصرف الناس وشغلهم عن الدعوة الصادقة، قال عز وجل مؤرخا ذلك: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزؤا أولئك لهم عذاب مهين.

6. تحريض “القوى الخارجية”: سبقت وشاية كفار مكة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين عزم على دعوة أهلها، فأغرى به سادتها صبيانهم وسفهاءهم فنكلوا به وآذوه عليه الصلاة والسلام قبل أن يتحدث إليهم، وكذلك سارعت قريش إلى إيفاد من يقنع النجاشي بكون من هاجر من المسلمين إلى بلاده فرارا بدينهم جراء ما تعرضوا له من قتل وتنكيل، إنما هم متمردون على “نظامهم”، معادون للقيم المتعارف عليها، مستعينين على ذلك بدهاء الموفد وحسن جواره للنجاشي، وشيء من الهدايا.

7. الحـصـار: نجح نظام المشركين بمكة في تعديل “دستورهم” المتعارف عليه بما يخدم استبدادهم واستكبارهم، حيث أقروا بنودا سوغت لهم محاصرة بني هاشم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا حيث منعوا باقي القبائل من متاجرهم ومناكحتهم…، وطردوهم إلى شعاب مكة وحاصروهم بها بضع سنين، حتى أكلوا أوراق الشجر من فرط الجوع، وهلك من هلك منهم، إمعانا من المشركين في التنكيل بمن ينتسب لهذه الدعوة الصادقة أو تعاطفه مع أصحابها.

كل هذا وغيره من المكر الذي أبدعوا فيه، كان لصالح الدعوة الصادقة سندا وقوة، وكان على المستكبرين وبالا وبوارا.

يقول عز وجل: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. ويقول كذلك: ومكر أولئك هو يبور.

هذا مكر أولئك فما بال حكامنا اليوم

إننا نرى اليوم حكام الأنظمة العربية المستبدين، يستنسخون تلك الأساليب البائدة، لكن بغباوة أشد وأفظع من غباوة أبي جهل وأمية وعقبة، ذلك أن هؤلاء اعتمدوا في مكرهم على أمثال عمرو بن العاص، وسهيل بن عمرو، وهؤلاء كانوا عقلاء زمانهم ودهاته، بينما اعتمد حكام العرب على من لا يملك يركب جملة مفيدة، بله المناورة والمداراة، من أمثلة الحزب “الوطني” في مصر وعرابه “أحمد عز”، والحزب الدستوري في تونس “وسيف الإسلام” في ليبيا، وكذلك لكل بلد “عزّه”، واختيار الأسماء اللامعة ليس مصادفة، بل خطة أغبى وأحط.

فمكر هؤلاء لا يخرج عن مكر أولائك، تغيرت الأسماء والمسمى واحد، لذلك فهم يدخلون في عموم قوله تعالى: ومكر أولئك هو يبور، والفعل المضارع “يـبور” يفيد الدوام والتجدد، وما آل إليه مكر نظام “زين الهاربين” و”شيخ المخلوعين” عين اليقين على خلود القرآن، وما سيؤول إليه نظام “القذافي مدمر” وكل ظالم مستكبر، حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم.

فسبحان ربي العظيم العليم الحكيم القائل في محكم التنزيل: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.